القلعة نيوز
فلاديمير فرولوف-«موسكو تايمز» الروسيالنسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ٢٩ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
يبدو أنّ فلاديمير بوتين عازم على إنهاء العملية العسكرية الروسية في سورية قبل أن يتفرغ لتجديد ولايته الرئاسية في آذار (مارس) المقبل. وشاغل الكرملين وضع الحرب هذه وراءه. فهي تشتت القوة و «ملهاة» خلال الحملة الانتخابية. وتحتاج موسكو إلى تسوية سياسية تسمح لها بتعزيز وجودها العسكري في سورية، وترسخ دورها الجيوسياسي الجديد قوةً رئيسية في الشرق الأوسط على قدم المساواة مع الولايات المتحدة. وهذا الشهر، من طريق مناورة ديبلوماسية سياسية سريعة وخاطفة، اقترح بوتين خطوة ديبلوماسية كبيرة لجمع لاعبين سوريين بارزين وفرض تسوية سياسية مرقعة جمعت بعناية لتراعي توازنات (سورية واقليمية).
وتوجه بوتين إلى إيران في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) لبحث هذا المسعى الديبلوماسي مع الرئيس الإيراني، حسن روحاني، والمرشد الأعلى، علي خامنئي. والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثلاث مرات في تشرين الثاني (نوفمبر). وأقنع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بإصدار بيان مشترك مع بلاده حول سورية على هامش قمة آبيك في فيتنام. ونقل الرئيس السوري، بشّار الأسد، في زيارة سرية إلى سوتشي ليعرض عليه تفاصيل التسوية. ثم استضاف قمة ثلاثية بين روسيا وتركيا وإيران حول سورية في المدينة نفسها. وكان الاجتماع الأول من نوعه، ويذكرنا بـ»قمة الترويكا» عام 1945 في مؤتمر يالطا لتقسيم مناطق النفوذ في أوروبا ما بعد الحرب الثانية. وابلغ بوتين شخصياً في اتصالات هاتفية اللاعبين الخارجيين الرئيسيين كلهم، تفاصيل خططه ومساعيه: ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي ورؤساء دول عربية بارزة. كل هذا في يوم واحد. وهذا النشاط المحموم يُسلط، من جهة، الضوء على دور روسيا البارز في سورية والشرق الأوسط الكبير، وقدرتها على تحويل القوى الخارجية إلى أصحاب مصالح (أو أسهم) في الخطة الروسية. ويُظهر، من جهة أخرى، لعامة الروس عظمة بوتين لاعباً دولياً بارزاً. وبعد أن فازت موسكو إلى حد كبير، بالحرب الدائرة ورجحت كفة الأسد، تسعى الى كسب السلام والنأي بنفسها عن التكاليف الاقتصادية والسياسية والعسكرية الطويلة الامد المترتبة على الحفاظ على وحدة سورية. ويحتاج بوتين إلى «غطاء» أو مشروعية دولية لابرام تسوية سياسية تبقي الأسد في السلطة، على أقل تقدير، في المرحلة الانتقالية ومرحلة إعمار سورية. وهذا من ابرز الدواعي الرئيسية وراء جهود موسكو لحماية النظام من اتهامات استخدامه الأسلحة الكيماوية، وهي اتهامات موثوقة وموثقة.
ولكن روسيا لا تمسك بجميع الأوراق في سورية، ولا يمكنها فرض إرادتها وحدها من دون مشاركة اللاعبين الخارجيين. ولا يخفى ان أنقرة وطهران هما ابرز شركاء موسكو في عملية أستانة، ولكن أميركا هي «الفيل في غرفة» التفاوض (المشكلة أو في هذا السياق الدور المسكوت عنه)، حين يستضيف بوتين الزعيمين التركي والإيراني. ويبدو أن الرئيسين الاميركي والروسي توصلا إلى تفاهم حول ملامح التسوية «ما بعد داعش» في سورية. وفي مقابل تخفيف واشنطن نبرة دعواتها الى رحيل الأسد، وافقت موسكو على مرابطة عسكرية أميركية طويلة الأمد في شرق وجنوب سورية. ويدعو الاتفاق في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) المبرم بين أميركا وروسيا والأردن حول منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية، إلى الحفاظ على مجالس الحكم المحلية التي تسيطر عليها المعارضة في معزل عن النظام. وقد ينطبق الترتيب نفسه على جزء كبير من شمال شرق سورية، الذي يسيطر عليه اليوم «اتحاد القوى الديمقراطية» السورية والجيش الأميركي. وتشمل هذه المنطقة الرقة - عاصمة داعش السابقة - وهي في مثابة إقليم حكم ذاتي جديد للمعارضة. وتضمن موسكو بقاء هذه المنطقة خارج نفوذ إيران والأسد، وسيشارك هذا الاقليم في مشروع تقاسم السلطة بموجب الدستور السوري الجديد.
وهذا الاتفاق هو أقرب إلى ارساء حكم ذاتي كردي في سورية. فشطر راجح من «قوات سورية الديموقراطية» هم مقاتلون من وحدات «حماية الشعب الكردية»، على رغم المشاركة الشكلية العربية السنية. ويقضي التفاهم بين اميركا وروسيا كذلك بمناعة المناطق الخاضعة للحماية الأميركية في شمال الشرق والجنوب، وتحولها إلى حصن ضد التوسع الإيراني. وعلى رغم محدودية قدرتها على احتواء نفوذ طهران في سورية، وحاجتها الى قوات برية ايرانية الولاء للحؤول دون تمرد مرجح، وافقت موسكو على قيود محددة على انتشار القوات الشيعية المدعومة من إيران في جوار الحدود مع إسرائيل. وفي الواقع، على رغم ظهور واشنطن إثر القمة الروسية- التركية- الإيرانية على أنها طرف مهمش، إلا أنّ موسكو تنحو إلى المواءمة والتنسيق مع واشنطن في سورية. من جانبها، يبدو أن أميركا تسلم بقدرة روسيا على تحريك احجار عملية التسوية وترجيح كفة الأسد في «مؤتمر الشعوب السورية» الذي تروج له روسيا وتعتزم عقده في سوتشي في 2 كانون الأول (ديسمبر)، مع مشاركة 1300 مندوب من 33 مجموعة سياسية.
وستستخدم موسكو منتدى سوتشي الذي اتفق عليه قادة روسيا وتركيا وإيران لـ «ترويض» المعارضة السورية المسلحة وتمييع نفوذها وكبحه من طريق مشاركة جماعات موالية لموسكو والأسد- وهذه لن تصر على تنحي الأسد الفوري شرطاً مسبقاً للانتقال السياسي. ويبدو أن الدول العربية موافقة على هذه الاستراتيجية. فالرياض استقبلت جولة جديدة من المحادثات لتشكيل «وفد معارضة موحد» وجديد.
وفي لفتة إلى موسكو، أجيزت مشاركة بعثة مراقبة روسية رفيعة المستوى في المحادثات هذه بقيادة المبعوث الخاص لبوتين إلى سورية، ألكسندر لافرنتيف. ويبدو أن الاتفاقات المبرمة في القمة الروسية الإيرانية-التركية متواضعة، إلى حد ما، ولم تكشف معالم واضحة للتسوية السياسية في سورية، ولم يعلن بعد عن تفاصيل مؤتمر سوتشي السوري، بما في ذلك من سيسمح لهم بالمشاركة (لا اتفاق على المشاركة الكردية). ولكن الثابت إلى اليوم هو أن مؤتمر سوتشي سينتهي إلى دستور سوري جديد وإطار زمني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية الجديدة في سورية.
وعلى رغم تباينه من خارطة طريق السلام الاممية، إلا أن مؤتمر سوتشي يقوض إمساك الأسد بمقاليد الدستور، ومن المرجح أن يؤدي إلى تقليص السلطة الرئاسية. والأغلب على الظن أن الخطوة الروسية المقبلة هي تنصيب نائب الرئيس السوري السابق، ووزير الخارجية السابق، فاروق الشرع، وهو سنّي، رئيساً لمؤتمر سوتشي، وترجيح فرص أن يتولى قيادة سورية ما بعد الحرب. ولا شك في أن موسكو توازن بين كرات ديبلوماسية كثيرة، لكن إذا أخفقت جهودها في صنع السلام، لن ينجم إخفاقها عن عدم المحاولة والوقوف موقف المتفرج.

* محلل سياسي