المسارات السياسية والقانونية لمواجهة المخطط الصهيو أمريكي لتصفية القضية الفلسطينية حـ 3 /جــ 2 * 
إعداد عبد الحميد الهمشري - الباحث بالشأن الفلسطيني والمحامي علي ابوحبله **
القلعة نيوز -

 شرعية الدولة الفلسطينية في القانون الدولي /2 
 كنا قد أشرنا في الحلقة السابقة إلى أن فلسطين كانت كل المقومات تمنح شعبها الحق في الاستقلال وإقامة دولته المستقلة أسوة بأشقائهم في الأقاليم الأخرى التي كانت تخضع للحكم العثماني المنهار ، ونضالاته وتضحياته ثبَّتت له هذا الحق ، لكن الحركة الصهيونية وحاضنتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا كانوا حجر العثرة في هذا الدرب حيث كانوا وما زالوا يبذلون جهدهم في سبيل إنقاذ المشروع الصهيوني بدليل الهجمة الترامبية العنيفة التي تسارع الخطا في سبيل تصفية القضية لكن يبقى الحسم فيها من نصيب أهل الثبات والصبر . 
فالشرعية الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها عليها وانسياق العرب والمسلمين خلف هذه الشرعية بعد الحرب العالمية الثانية هو ما أوصل الأمر في فلسطين إلى ما هو عليه الآن ، حيث أن الشرعية المستجدة فرضت أجندتها السياسية على المجتمع الدولي، وهذا ما لا غرابة فيه إذا ما أخذنا في الحسبان أنّ أمريكا هي من أنشأت النظام الدولي الجديد بشكله القائم وبطبيعة الحال خدمة لمصالحها وتكريس هيمنتها على العالم أجمع ، وأي خلاف ينشاً مع قوى مؤثرة دولياً قد تعمل على خلخلة الموازين تعمل على حل خلافاتها معها لتبقى لها السطوة والغلبة ومفتاح الحل والربط لما يطلق عليه السلم العالمي. 
هذه الشرعية الدولية هي من كانت وراء الفشل في تحقيق الحدود الدنيا من العدل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حيث لم تكن جادة في إنفاذ ما يصدر عنها من قرارات لصالح الفلسطينيين أمام تعنت الجانب الصهيوني الرافض تطبيق تلك القرارات والانصياع للإرادة الدولية ، بل تمادى في إبداء احتقاره لها مستفيداً من الدعم المطلق له من الولايات المتحدة وقوى غربية نافذة على المستوى الدولي وهذا ما منع وما زال يمنع تحقيق قيام دولة فلسطينية مستقلة رغم توفر الشروط الموضوعية منذ الانتداب البريطاني على فلسطين وكذا الحال في التجربتين الثانية والثالثة والتي نتناولها تالياً ..
 ** التجربة الثانية لتحقيق الدولة الفلسطينية : 
الواقع أن هذه المرحلة تتمحور حول قرارين اتخذتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة ، القرار 181/1947 الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية ووضع القدس تحت إدارة دولية والقرار 194/1948 الذي قضى بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم. 
 ورغم أهمية القرار 181 إلا أن الدول العربية لم توافق آنذاك عليه لإنها كانت تأمل في نجاحها في حرب فلسطين 1948وهذا لم يتحقق ، وأهمية هذا القرار يتمثَّل بأنه كان المستند الدولي الأساسي الذي اعتمدته إسرائيل كمرجع دولي لا يجوز التراجع عنه ولا تبديله وذلك عندما أعلن بن غوريون استقلالها في العام 1948. 
 وكانت السلطات البريطانية المنتدبة قد سهّلت السيطرة اليهودية على مقدَّرات البلاد بعد حرب فلسطين من خلال عدم التصدي لعصابات الهاغانا في تقدّمها والمعروف هنا أن القرار 181 فرض وجود دولة عربية في فلسطين ذات حدود واضحة وبموجب خرائط تفصيلية أرفقت بهذا القرار.
 وبذلك تكون إسرائيل الدولة الأولى في العالم التي اعترفت بإنشاء الدولة الفلسطينية في فلسطين والتي رسمت حدودها والمعترف بها دوليًا ومسبقًا وفق القرار 181 بمساحة أكبر بكثير من حدود 1967 التي تطالب بها السلطة الفلسطينية اليوم وبذلك تكون الحدود الدولية الفاصلة بين إسرائيل والدولة الفلسطينية قد أقرّت بشكل واضح منذ صدور هذا القرار الذي اعتمدته إسرائيل مرجعًا دوليًا للإعتراف بشرعية قيامها في العام 1948. 
وهذا يسقط الإدعاء الإسرائيلي الذي يقول إن القرار 181 غير ملزم لأنه صدر عن الجمعية العامة وليس عن مجلس الأمن وذلك بعد أن اعتمدته إسرائيل أساسًا مرجعيًا لتشريع وجودها منذ العام 1948. 
فإعلان الإستقلال الإسرائيلي يشير إلى: 
- أن الدولة الإسرائيلية مفتوحة لقدوم اليهود من الخارج وذلك تحت شعار «ingathering of exiles» أي جمع شتات المنافي. 
- أن القرار 181 لا يجوز تعديله ولا تبديله باعتباره قرارًا دوليًا.
 أما بالنسبة إلى القرار 194/1948 فقد ركّز على حق الإنسان - الشعب وليس على حق اللاجئ - الفرد الفلسطيني وحسب. وأكد وجوب عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم «to their homes» وليس إلى ديارهم أو بلدهم، ذلك لأن كلمة «بيوتهم» أكثر دقةً وتحديدًا. 
ومع أن هذا القرار أكَّد حق العودة فإنه لحظ إمكان دفع التعويض لمن يختار عدم العودة، والتعويض أيضًا عن الأضرار التي حصلت بممتلكاته إذا قرّر العودة إلى بلده.
 ولذلك نرى ما يُشاع عادة أن القرار 194 لحق العودة أو التعويض، وأن العودة صعبة لذلك يجب التركيز على التعويض وإنهاء هذا الموضوع. 
ولا بدَّ هنا من تصويب هذا القول لأن حق العودة أصبح، منذ العام 1949، من الحقوق غير القابلة للتصرُّف، أي أن أحدًا لا يستطيع أن يتصرَّف به حتى ولو كان ممثّلاً بالقيادة الفلسطينية نفسها.
 وحق العودة مرتبط، قانونًا وواقعيًا، في تقرير المصير ولا يستطيع الشعب أن يقرّر مصيره إلا إذا كان مقيمًا على أرضه بشكلٍ دائمٍ. 
فهذا الحق في تقرير المصير لا يتوقَّف عند نيل الإستقلال فحسب. 
إنه في الواقع متواصل لأن الشعب يقرّر مصيره ثم يسعى إلى العمل على إنماء دولته ومجتمعه. 
وهذا ما أكّدته المادة الأولى – الفقرة أ المشتركة من شرعة حقوق الإنسان في الحقوق السياسية والمدنية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية أيضًا الصادرتين العام 1966:
 «لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي تملك هذا الحق حرَّة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق إنمائها الإقتصادي والإجتماعي والثقافي . 
واستنادًا إلى ما تقدم يعتبر الحق في تقرير المصير من القواعد الآمرة في القانون الدولي ولا يتجسَّد عمليًا على الأرض إذا لم يكن الشعب مقيمًا بشكل دائم على إقليمه المنوي إنماؤه. 
 وإذا لم يكن كذلك فإن نصف الشعب الفلسطيني يمكن أن يقرّر مصيره على إقليمه والنصف الآخر منه، في الدياسبورا، يُحرم من هذا الحق، الأمر الذي يحظّره القانون الدولي. 
ولا تستطيع إسرائيل أن تتنكّر لهذين القرارين بعد أن اعترفت بهما مرتين: 
الأولى عام 1948 عند إعلان استقلالها، والثانية عام 1949 مع قبول طلبها الإنضمام إلى الأمم المتحدة. 
 فالجمعية العامة، بعد أن أوصى مجلس الأمن بقبول إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة لأنها دولة محبة للسلام peace loving state ، كانت قد اشترطت، لهذا القبول، أن تتعهّد إسرائيل بالعمل على تنفيذ القرارين 181 و194. 
وقد قبلت إسرائيل فعلاً هذا الشرط وكتبت التعهُّد المطلوب.
 وإثر ذلك صدر القرار 273 في 11/5/1949 عن الجمعية العامة بقبول إسرائيل عضوًا في الأمم المتحدة، وفيه إشارة إلى هذا التعهُّد .  ولكن إسرائيل، مدعومةً من الإدارات الأميركية المتعاقبة، كانت وما تزال تستغل أي فرصة ممكنة للتنكّر لهذه الإلتزامات. 
** التجربة الثالثة لتحقيق الدولة الفلسطينية تتمحور هذه التجربة الثالثة حول إعلان الدولة الفلسطينية في العام 1988 وتداعياتها المختلفة. 
 فقد أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات في 15/11/1988، باسم المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر في دورته التاسعة عشرة، «قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف». 
 وأشار في سياق هذا الإعلان إلى أن القرار 181/1947 «ما زال يوفّر شروطًا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والإستقلال الوطني» . 
 وكان لهذا الإعلان تداعيات كثيرة، منها: إن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعترفت acknowledged بإعلان الدولة الفلسطينية العام 1988 وعطفت في قرار اعترافها الرقم 43/177 في 15/12/1988 على القرار 181/1947 وذكرت أن هذا القرار 181 قضى بـ « إقامة دولة عربية ودولة يهودية في فلسطين». 
وعليه فإن قرار المجلس الوطني الفلسطيني بإعلان دولة فلسطين وممارسة الشعب الفلسطيني لحقوق غير القابلة للتصرف قد جاء متماشيًا مع قرار الجمعية 181» .
 وهذا ما دفع أكثر من مئة دولة آنذاك (108 دول) إلى الإعتراف بالدولة الفلسطينية والإعراب عن الإستعداد للتعامل معها وأنشأ بعضها بالفعل علاقات ديبلوماسية معها. 
ونتيجة للقرار ذاته واستكمالاً لأبعاده القانونية قرَّرت الجمعية في الجلسة ذاتها أي بموجب القرار 43/177 في 15/12/1988 الآتي: 
- أن تؤكد الحاجة إلى تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته على أرضه المحتلة منذ العام 1967. - استعمال إسم «فلسطين» اعتبارًا من 15/12/1988 بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية في منظمة الأمم المتحدة . 
لكن القيادة الفلسطينية لم تُحسن توظيف هذه الإعترافات بما يثبِّت الوضع الدستوري للدولة الفلسطينية المستقلة فاستعاضت عن ذلك بسلوك طريق المفاوضات مع إسرائيل كمنظمة تحرير فلسطينية وفق صيغة مدريد 1991 آنذاك.
 وتوصَّلت في مفاوضاتها المعلنة والسرية في أوسلو - النروج إلى اتفاق أوسلو في العام 1993، الذي لم يُشر إطلاقًا إلى «الدولة الفلسطينية» ولا حتى إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولكنه ذكر صلاحيات السلطة الإنتقالية المؤقتة فحسب. 
وأمعن بتضييع ملامح الدولة الفلسطنية عندما قرّر أن مبدأ التفاوض في هذه القضايا (وهي القضايا المصيرية على كل حال) ستناقش وقد يُتَّفق عليها في مفاوضات الوضع النهائي لفلسطين. 
وهذه المفاوضات لم تعقد لغاية الآن أي بعد مرور حوالى خمس وعشرين سنة من الوعد بها. 
وتراوح هذه القضايا المصيرية بين حدود الدولة ومسألة المستوطنات واللاجئين والمياه وغيره.
 إلاّ أن الأمر المباشر لاتفاق أوسلو كان في إغفال ذكر الإعترافات التي كسبتها الدولة الفلسطينية من الدول الأخرى. ولذلك، هي لم تُستجَب لأن القانون الدولي (في معاهدة مونتيفيديو 1933) يعتبر أن الإعتراف بالدول يجب أن يكون غير مشروطٍ unconditional، وغير قابل للتراجع irrevocable.
 وهذا الإغفال يعني إنها سقطت عمليًا بعد أن أغفلتها الجهة المعنية بها، أي القيادة الفلسطينية. 
 وكان يقتضي، حيال ذلك كله، أن يُصار إلى إعادة إحياء هذه الإعترافات لأنها تشكل، بالفعل، الأداة الكافية لإعلان الدولة وليس لانضمامها إلى الأمم المتحدة، شرطًا مسبقًا لقيامها في الإطار الدستوري ولا في اعتبارها عضوًا فاعلاً في المجتمع الدولي من دون أن تعترف بها الدول الأخرى وتتعامل معها. 
وهناك دول عديدة تأخّر انضمامها إلى الأمم المتحدة من دون أن يؤثّر ذلك على كونها دولاً مستقلة وفاعلة في المجتمع الدولي. 
من هنا يتبين أن المفاوض الفلسطيني المكلف بالوصول لتفاهمات مع العدو الصهيوني لم يكن أهلاً للقيام بمهمة التفاوض ، لأنه لا تتوفر لديه ثقافة التفاوض ويجهل بأساليب عدوه الملتوية والذي يقتنص الفرص لتوقيع الفلسطيني بيده على تنفيذ ما يريد وما يخدم أهدافه بتنازل الفلسطيني عن حقه دون إدراك منه على جريرة ما صنع ، وهذا أكسب العدو الكثير وأفقد فلسطين مكتسبات قد حققها في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي المحافل الدولية بعد قرار إعلان الاستقلال في العام 1988 ، باتفاق مبادئ في أوسلو خدم العدو الصهيوني ودفع به مؤخراً ليُسَخِّر الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ أحلامه بالعمل على تصفية القضية الفلسطينية والاستيلاء على القدس وإلغاء حق العدو بل وإلغاء حلمه بالدولة الفلسطينية المستقلة ، متجاهلاً كل قرار دولي يعطي الفلسطيني حقه في الاستقلال والحرية وتقرير المصير.
 * مركز العرب للشؤون الاستراتيجية ورسم السياسات