القلعة نيوز: ليست اللحظة الوطنية مواتية للاستعراضات أو لتسجيل المواقف على حساب الوطن أو على حساب الكرك؛ كلنا يعرف ظروف الوطن وما يواجهه من تحديات خارجية وداخلية، وما تقوم به قيادتنا الهاشمية من جهد اسطوري لحماية الأردن والدفاع عن وجوده وحدوده وكرامته ومكانته ودوره. ويعلم كل أردني حجم ما يتعرض له الأردن في هذه المرحلة من ضغوطات خارجية متنوعة الأهداف والأدوات تنوء بحملها دول عظمى. وكل وطني غيور لديه تساؤلات مفتوحة حول السياسات والتشريعات والقرارات والسلطات وما تعانيه من عجز وقصور واختلالات. وما من أردني الا ويطمح نحو تغيير واصلاح واحداث فرق حقيقي في جميع آليات ومعطيات انتاج السلطات وأساليب عملها في اطار الاصلاح السياسي والاقتصادي والاداري الذي طالما سبق جلالة الملك الجميع للتأشير الى أهميته منذ سنوات في كتب التكليف السامي وخطب العرش وفي الأرواق النقاشية.
أما الكرك عالية الجناب فهي دوما قادرة على تجسيد القيم والروح الوطنية النبيلة ومعانيها الحقة عبر تاريخنا الوطني. ولا مجال للمزاودة عليها أبدا أبدا. وهذه صحائف التاريخ وصفائح المجد تحدثنا عن رمزية الكرك وحضورها الخالد في المشهد الوطني. وشباب الكرك الذين يعبرون عن هموم الكرك كجزء من هموم الوطن هم ذاتهم أهل الهية والهيبة من هبوّا في الأمس القريب جنبا الى جنب مع اخوانهم رجال الأمن العام والدرك يسابقونهم للدفاع عن الكرك وعن الأردن في أحداث القلعة، وهم من تصدوا بصدورهم العارية للارهابيين، فكان أسد القلعة ابن الكرك المقدم الدركي سائد المعايطة شهيد الدرك و الكرك والوطن في آن معا ليجمع في رمزية جميلة بين الرسمي والشعبي وليضع تذكاراً وشاهداً مع اخوانه الشهداء من مدنيين وعسكريين بأن هذا الوطن عصي على الفرقة موحد شعبا وجيشا وأجهزة أمنية خلف قيادته الهاشمية الحكيمة، في حالة تلاحم حقيقي بين المجتمع والدولة. ولسنا بحاجة للتأكيد بأن شباب الكرك كشباب الوطن منذورين عبر الزمان لحماية الوطن بالفعل قبل القول، وهم من يتقن ممارسة الوطنية والجندية والفداء حق الممارسة. والكرك تتحرك حركة تلقائية طوعية شريفة، وكل قوى الشر لن تعثر على كركي يسير في ركابها أو ياتمر بأمرها لخرق سفينة الوطن، واذا ما عبر الشباب عن سخطهم على سياسات الحكومات المتعاقبة وعجز مجالس النواب المتتالية؛ فأهدافهم وطنية بحتة، وأشواقهم أردنية عروبية صرفة، وتطلعاتهم ديمقراطية تنموية مطلقة، ووسائلهم حضارية سلمية ناصعة . وهم من كانوا قبل ايام يستمعون بشغف واعجاب لحديث جلالة الملك لطلبة الجامعة الأردنية حول ضرورة ممارسة الشباب لدورهم الوطني في الضغط الديمقراطي الحضاري على الحكومة والنواب لأداء عملهم على خير وجه وللاحتكام لسيادة القانون . 
ومن العسير قراءة عيون الكرك بمنظار امني بحت، ففي حضرة الكرك نكون أمام تداخل الوطني بالسياسي بالاجتماعي بالاقتصادي بالتنموي . وهنا تبرز الحاجة الى التاكيد بأن السياسة تصنع الأمن وليس بمقدور الأمن البحت منفردا أن ينتج الأمن بمفهومه الشامل، الذي درجت الدولة الأردنية على تكريسه وتطويره وتعزيزه عبر مسيرة الوطن في وسط أمواج الأقليم المتلاطمة. فكان الأردن انموذجا يتفرد في انتاج معادلة تحقيق التنمية بموارد محدودة مقرونة بترسيخ الامن وسط ظروف معقدة.
ومن هنا فمن يريد فهم عالية الجناب عليه أن يفهم أوجاع الجنوب بل الأردن وهمومه التنموية وأشجانه الوطنية والقومية؛ فالكرك هي باروميتر الروح الوطنية، فاذا ابتسمت حتما يكون الوطن مبتسماً والأمة عزيزة، واذا ما عبست الكرك؛ فلنسأل عن سرّ عبوس الوطن، ولنتساءل عن الأمة وما حلّ بها؛ فلم يحدثنا التاريخ عن لحظة غضبت فيها الكرك وكان حال الوطن والأمة يسر صديقاً! و الكرك لا تحمر عيونها الا اذا استشعرت أن غباراً أسوداً أو ريحاً صرصراً باتت تقترب من تخوم الوطن أو تتجرأ على كرامة الأمة! إنها الكرك عين الأردن الثاقبة وقلبه النابض وروحه الوثابة؛ فلتشمر الحكومة عن سواعدها لفتح ملفات الوطن على تنوعها، ولتقرأ في عيون الكرك ما تعانيه المحافظات كلها من تهميش وترهل وتعثر تنموي، ولتقرأ في عيون الشباب الكركي ما يعانيه شباب الوطن عموما من بطالة وتهميش وعجز وضياع. ولتشرع الحكومة ومؤسساتها بمحاورتهم (الشباب نعم الشباب) والاستماع لهم والانصات لنبضهم الوطني الصدوق. ولماذا لا تنعقد الحكومة في جلسة مفتوحة في ساحة القلعة لمناقشة الشباب والكركيين لشرح خططها و اقناعهم ببرامجها الموجهة لخدمة حاضرهم ومستقبلهم. ولماذا لا تتقن الحكومة فن اقناعهم بمبررات ما تلجأ اليه من سياسات وتشريعات وقرارات؟ ولتشرع الحكومة في خطة نهوض تنموي تشيّد مصانع ومشاريع انتاجية لتشغيل الشباب في الكرك وفي المحافظات. ولتعلن الحكومة عن عزمها على الزام شركاتها الكبرى في الجنوب بتشغيل الشباب في الجنوب وتنفيذ برامج لتدريبهم وتأهيلهم ليتمكنوا من المنافسة في سوق العمل. ولتعلن الحكومة عن اجراءاتها لتحسين مستوى خدماتها في قطاعات التعليم والصحة والنقل والزراعة والثروة الحيوانية والبيئة والثقافة والتنمية الشاملة في الكرك حتى يقوى الكركيون على التأقلم مع تحديات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالغة التعقيد بفعل عجز الحكومات وكوارث سياساتها الفجة التي أصابت كل أردني في مستوى عيشه وراحة باله.
ما احوجنا اليوم لساسة يتقنون قراءة عيون الكرك وعيون الأردن ويمتلكون مهارات فهم الاردنيين والتخاطب معهم بلهجة صادقة الروح والكلم. وما الكرك الا عود في حزمة الوطن. وكان الله في عون عبدالله الثاني على تحمل عجز من يتصدون لأداء القسم ولا يتقنون الوفاء به.


* نائب الكرك السابق

 


 
   
النائب الاسبق د. بسام البطوش النائب الاسبق د. بسام البطوش