-الأردن لن يقبل بأيّ ابتزاز مهما كان الثمن ، وهناك ضغوط عربية علينا

- لا نستطيع وحدنا حماية القضية ، وهناك تفكير سطحي عند بعض العرب في موضوع الوصاية .

- الأردن لا يطمئن كثيرا لواشنطن ، وموسكو تلعب لعبة مصالح لا أكثر

- أبو عمار لم يكن يثق بأي نظام عربي ، وكان يريد فتح خطوط مع واشنطن .

- نحن بحاجة لحكومة تعكس الأوضاع الحالية وتكون شريكة للملك في تحمّل المسؤولية .

- أصبحنا حقلا للتجارب في قوانين الإنتخاب ، ومفهوم النزاهة بات مجالا للتندّر !

- المرحلة يطغى عليها الجوع ، وفئات كثيرة أصبحت تحت خط الفقر ، والأوضاع المعيشية ستبقى ملتهبة .

- تعبير ( الحقوق المنقوصة ) يجب أن يلغى من قاموسنا ، ولنتحدّث عن فئات اجتماعية تعاني هذا النقص.

- عوّدت نفسي على التحدّث بصراحة وحسب قناعاتي فدفعت الثمن !


القلعة نيوز: أجرى الحوار / د. محمد أبو بكر

في الحوار مع دولة طاهر المصري ؛فأنت أمام قائد سياسي ، هذا المصطلح الغائب عن قاموسنا السياسي الأردني منذ أكثر من خمسين عاما ،حيث لم يصل إلى هذه ( المرتبة ) إذا جاز التعبير ،سوى عدد محدود من السياسيين على مدى تاريخ الدولة منذ الإستقلال قبل أكثر من ثلاثة وسبعين عاما .

أبو نشأت ؛ إبن مدينة نابلس العريقة ، الذي يفتخر بأردنيته كما هو اعتزازه بفلسطينيته ،هو واحد من أولئك الرجال الذين يمكن لك أن تلجأ إليهم في وقت الشدّة السياسية ، وفي زمن الأعاصير والمفاجآت التي تأتي إلى بلادنا من كل حدب وصوب ، والإستئناس برأيه غاية في الأهمية ، والوقوف على أهمّ الأحداث ، فهو من أولئك الذين يمكن لهم الإمساك بالمبضع والقيام بعملية تشريح بكلّ دقّة ، وبتفاصيل واضحة حتى نستطيع معرفة أين سنضع أقدامنا .

ومن خلال سلسلة شخصيات وأحداث التي تنشرها الغد ، حاورنا رئيس الوزراء الأسبق والسياسي العريق الذي ولج العمل الوزاري منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما ، حاورناه في العديد من القضايا التي باتت اليوم تؤرّقنا ، وليس من المبالغة إذا قلنا أننا اليوم نمرّ في أسوأ مراحل الأمّة ، وخاصة على الصعيد السياسي ، في ظلّ ما ينتظرنا من صفقات أو صفعات قادمة ، سواء أتت إلينا من البيت الأبيض أو من غيره ، أو من أولئك الذين مارسوا معنا الخداع طوال سنوات .

كان التركيز في هذا الحوار حول القضية الفلسطينية وما ينتظرها في قابلات الأيام ، والأخطار التي يمكن أن يواجهها الأردن ، وهو الأقرب للقضية ، والمتفاعل معها ، والمتأثّر بتداعياتها ،ولا يخفي المصري القول بأنّ الأردن سيكون في بؤرة المواجهة ، وربما نشهد تصعيدا ، خاصة وأن الأردن يدرك بأن لا حلّ للموضوع الفلسطيني بدونه ،مؤكّدا أنّ المعطيات معقّدة ومتداخلة ، وربما تشكّل عبئا على الأردن من خلال كيفية التعامل معها بحرص ودقّة .

المصري في حواره ؛ يتحدّث بصراحة قائلا .. لا مجال اليوم لأن نضع رؤوسنا في الرمال ، فالحقائق يجب أن يعرفها الجميع ، فيكفي أننا خدعنا ( بضم الخاء) مرّات عديدة منذ المشروع الصهيوني في بازل عام 1897 ، والأردنيون اليوم أمام مرحلة هامّة في تاريخهم ، وليس لهم إلّا التكاتف مع قائد الوطن ، وتحمّل المسؤولية دفاعا عن الأردن وفلسطين ، صدّا لأيّ مؤامرة تستهدفهما .

وأترككم مع هذا الحوار الذي أجرته الغد مع السيد طاهر المصري رئيس الوزراء الأسبق ..

الغد : لنبدأ من الآخر ياسيدي ؛ فبعد زيارة جلالة الملك للولايات المتحدة ، ولقائه الذي استغرق 45 دقيقة مع المستشار كوشنر والمبعوث غرينبلات ، بدأت مواقف الملك تزداد حدّة وغضبا ، وكأنه يريد إرسال العديد من الرسائل لبعض الجهات ،بأن لا تراجع عن مواقفنا ، ماذا حدث ، وما هي توقّعاتك دولة الرئيس ؟

المصري : الأردن قريب في سياساته من الولايات المتحدة ، وهي دولة عظمى ولها تأثير بالــغ في المنطقة وكلّ العالم ،وسياسات الأردن والحكم فيه تتماشى مع المعسكر الغربي ، وإسرائيل محتلّة لأراض فلسطينية ، كانت في السابق جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية ،وارتباط فلسطين والأردن لا يمكن فصله أبدا ، وهناك سياسات ترامب المنحازة للدولة العبرية ، وبشكل سافر ، وكل هذا يقع تحت تأثير ثلاثة عوامل :

الاول ؛أنّ كل ما تفرضه إدارة ترامب من حلول للقضية ، صفقة أو غيرها ،غير مقبول للأردن ولا يؤدّي للسلام المنشود أو حلّ لها ، ولا يمنع الخطر عن الأردن ، والعامل الثاني ؛ أن الأردن لا يستطيع وحده حماية الفلسطينيين مما هو قادم ، والثالث ؛ لا حلّ بدون الأردن .

إنّها ثلاثة معطيات معقّدة ومتداخلة ، وسوف تكون عبئا على الأردن بالذات في كيفية التعامل معها بحرص ودقّة ، لذلك مهما حدث في الإجتماع المذكور ، فهذه هي القضايا الرئيسية أو الإطار العريض لما جرى فيه ، وأنا لا أدّعي معرفتي بما دار في واشنطن ، ولكن رأينا بصورة واضحة خلال الأشهر الماضية تصاعدا غير طبيعي في الإنحياز الأمريكي لدولة الإحتلال وتنفيذ ذلك واقعا .

ولذلك ؛ من الطبيعي أن يصعّد جلالة الملك من تصريحاته ومواقفه ، لأنّه يدرك ما هي أفكارهم ، وعلى ماذا تدور وكذلك خطرها ،وهو الأقدر على تقدير ذلك ،فالأردنيون وبكل فئاتهم يعلنون اليوم تأييدهم للملك بشكل واضح وصريح ،ويدعمونه في لاءاته المتعلّقة بالقدس والوصاية والموضوع الفلسطيني برمّته .

الغد : هل ترى بأنّ الملك ربما يقدم على خطوات هامة في المرحلة القادمة ، خاصة وأنّ الخطر القادم بات لا يهدد فقط فلسطين ، بل الأردن أيضا ؟

المصري : نمرّ اليوم بمرحلة تاريخية بالنسبة للقضية الفلسطينيةوللأردن ، وسوف يذكر ذلك في كتب التاريخ ، كنقطة تغيير جذريّة في الإقليم ، فوضع القدس تحت الهيمنة اليهودية وما هو قادم بالنسبة لها كبناء الهيكل وتهويدها ، وضمّ الجولان والضفّة الغربية لاحقا ؛ كلّها أمور ستعمل على تغيير خارطة المنطقة جغرافيا وديموغرافيا .

الخطر هنا لا يهدد الفلسطينيين وحدهم ، بل أصبح خطرا يهدد الأمن الوطني الأردني ، ونحن كأردنيين نعي كلّ ما يخطط له ، لقد مارسوا معنا الخداع والوعود الكاذبة ، منذ المشروع الصهيوني في بازل 1897 ، ولسنا في مجال لأن نضع رؤوسنا في الرمالبعد الآن أو نختبيء وراء حجاب ، لتقال الحقائق بوضوح ، فالأردنيون يجب أن يتحمّلوا المسؤولية مع جلالة الملك ، وهذا مدعاة لتكاتف القيادة والشعب .ولا شيء أبقى وأجدى من تحالف الشعب مع قيادته .

حتى اللحظة لا نعرف ما حصل أو ما سيحصل ، أو ماذا يجري داخل الغرف المغلقة ، كلّ ذلك ما زال محصورا في نطاق ضيّق ، ومن الظلم الوطني والإنساني أن يتحمّل جلالة الملك كل ذلك وحده ، فشعبه يجب أن يقف معه ويتحمّل المسؤولية ، والقرار يجب أن يكون مشتركا بينهما .

الغد : هل تعتقد بأنّ الأردن ربما يتعرّض لابتزاز سياسي أمريكي ، وهل سيدفع الأردن كلفا سياسية عالية ، كاستغلال الوضع الإقتصادي من خلال تنفيذ الصفقة ؟ هل نحن اليوم أمام لحظة الحقيقة ، وربما هزيمة جديدة ؟

المصري : الملك قالها بوضوح بأنّه يتعرّض لضغوط كبيرةلن يقبل الأردن بأيّ ابتزاز مهما كان الثمن، الهدف اليوم هو الدفاع عن الأردن وعن أمننا الوطني ، نريد ان نحمي الأردن مــن أيّ مضاعفات أو تداعيات على هويتنا وكياننا وكينونتنا ، فالشعب يؤيّد هذا التوجّه ، ولذلك سيكون هناك رفض شعبي ورسمي مما يعرض علينا قد يؤثّر على مواقفنا الثابتة والمبدئية ، ويؤثّر أيضا على أمننا الوطني .

الأردن يرفضأية ضغوطات ، والملك سيكون أقوى بوجود مؤسسات دستورية وحرية رأي وسيكون قادرا على الاعتماد على شعبه حفاظا على الثوابت والكيان .

الغد : وهل هناك من ضغوط على الأردن من قبل بعض العواصم العربية للقبول بما هو قادم حسب رأيكم ؟

المصري : هـــي موجودة بالفعل ، وبصراحة الأردن وحده لا يستطيع أن يحمي القضية ، ويجب على الأشقاء العرب الوقوف معه والعمل على تقديم كل أشكال الدعم اللازمة له .

إسرائيل اليوم لا تهتم ولا تكترث بالتواصل مع صاحب الحق الشرعي ، فقفزت فوقهم لتتعامل مع دول خليجية وغيرها ، وهذا يضعف الموقف الأردني ، لأنّه يبقى وحيدا ويزيد من الأعباء عليه في القضايا الداخلية ، ورأينا مؤخرا تصريحاتصادرة عن مسؤولين عربا إضافة لمواقف عربية مختلفة باتت معلنة وظاهرة في الإعلام تدعو للأسف فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني ووضع إسرائيل في المنطقة .

الغد : هل هناك ما يشبه المؤامرة على الأردن فيما يتعلّق بالوصاية على القدس من قبل واشنطن وتل أبيب وبعض الأنظمة العربية ؟

المصري : جميعنا يعرف من المقصود بذلك ؛ ولكن هذا غير وارد إلّا في أذهانهم ومخططاتهم ، ربما يأملون أن تتحوّل الأمور بهذا الإتجاه ، وهذا تفكير سطحي من قبلهم ، ولكنه لن يحدث على الصعيد العملي ، فالخطر ليس من هؤلاء ، بل من المخططات الصهيونية بتهويد القدس وبناء الهيكل المزعوم .

الغد :هل الأردن على استعداد لتنويع خياراته السياسية والإنفتاح أكثر على بعض الدول ؛ روسيا ، إيران وتركيا وربما غيرها ؟

المصري : الأردن قادر على ذلك ولكن بحدود ضيّقة ، فهو بوضعه الجغرافي وقدراته المالية والأخطار والسياسات السابقة التي أدّت لهذا الوضع الهشّ في مجتمعنا فإنّ خياراته محدودة ؛ فهذه إمّا مخطط لها أو جاءت نتيجة للظروف ، واليوم علينا أن نوازن بميزان الذهب علاقاتنا مع الجميع ، فالوضع الإقليمي معقّد جدا ، وهناك تنوّع رهيب من المشاكل والإلتزامات المتضاربة ، إضافة للتعقيد الدبلوماسي وفي العلاقات مع الدول الأخرى ، لذلك يحاول الملك أن يوازن بقدر الإمكان خصوصا مع بعض الأشقاء العرب .

الأردن اليوم يرتبط بعلاقات وثيقة مع حلف الأطلسي ، وهو يستعين بحماية نفسه مع هذا الحلف ، وهذا نوع من الحماية التي نطلبها في هذه الظروف ، لذلك لا أقول إلّا أنّ التنوّع في الخيار السياسي موجود ولكن بحدود ضيّقة ، فنحن اليوم أمام تداخل عجيب وتناقض يسبب لنا صداعا في الرأس .

الغد : بصراحة ؛ هل الأردن يثق بالولايات المتحدة ، وقادر على مواجهتها في المرحلة القادمة إن حدث شيء ؟

المصري : الجميع متفق بما فيهم القيادة الأردنية أنّ الولايات المتحدة ليست خاضعة لقواعد وقوانين التعامل السياسي خاصة في منطقتنا ، ولكن علاقات الأردن الوثيقة قد تكون جزءا من الوضـــع الساخن لضمان استقراره ،وهناك بصراحة عدم اطمئنان للولايات المتحدة ، ومطالبات بعدم وضع كل ثقتنا بسلّة واشنطن ، ومن هنا أعتقد أن الملك خلال الأعوام الماضية حاول فتح طريق ممهّدة لعلاقة مع الروس ، ولا أعلم إذا ما كانت هذه الخطوة قد أدّت إلى ما كان يسعى إليه الملك .

الغد : ولكن ياسيدي نشعر أحيانا بالحيرة من العلاقة الروسية الإسرائيلية ، ماذا يجري بالضبط ؟

المصري : في الوضع الروسي والعلاقة معنا ؛ نتنياهو قبل فترة أقدم على ضمّ الجولان وأعترف ترامب بذلك ، وهناك قوات روسية لا تبعد إلّا بمقدار كيلومترين عن حدود الجولان ، ولم يصدر ردّ روسي فعلي وحقيقي سوى التنديد بتلك الخطوة ، وهذا أمر مستغرب ، والأكثر استغرابا ، استقبال الرئيس بوتين لنتنياهو عدّة مرات في غضون فترة قصيرة وقبل انتخابات الكنيست ، وكأنّه يريد مساعدته على النجاح ، في إشارة لثقل اليهود الروس الذين يبلغ عددهم تسعمائة ألف ، وهؤلاء من الناخبين المؤيدين لرئيس حكومة اسرائيل ، فروسيا باختصار تلعب لعبة مصالح لا أكثر .

الغد : ألا يفترض في هذه الظروف أن يكون لدينا في الأردن ما يشبه ( بيت الخبرة ) يتم اللجوء إليه حين تقع المشكلات أو تداهمنا الأخطار ، أم أنّ ذلك لا يعني الكثير ممن هم في موقع السلطة الآن ؟

المصري : أنا أقدّر ذلك ، وهذا راجع لجلالة الملك ، وهناك من يظنّ أن لقاءات جلالته مع مجموعات مختارة من الشخصيات يحقق هذا الغرض، وفي اللقاء الأخير مع رؤساء الحكومات قلت بأننا نمرّ بمرحلة لا نشعر بخطرها بشكل صحيح ، وأضفت أننا اليوم بحاجة لحكومة تعكس هذه الأوضاع وشريكة مع الملك في تحمّل المسؤولية والسير بالبلاد لنقاوم الهجمة والضغوط التي نتعرّض لها .ولنحمي الوطن من تداعيات الإجراءات والسياسات الإسرائيلية – الأمريكية التي تنفذ على أرض الواقع بشكل علني واستفزازي.

لا يمكن لنا العبور من عنق الزجاجة إلّا بدعم شعبي عميق ، وموضوع بيت الخبرة يمكن تحقيقه ، حتى يستطيع النظام ككل الإستفادة من الخبرات وغيرها .

الغد : لنتحدّث دولة الرئيس في شان محليّ هام وهو قانون الإنتخابات النيابية ؛ فمنذ ما يقارب الثلاثين عاما والأردنيون باتوا حقلا للتجارب ، إلى متى يمكن لنا الخروج بقانون يحظى بتوافق وطني ، فنحن لا نعيش في جزيرة معزولة عن العالم ، وهل أنت مع الكوتات ؟

المصري : ترأست لجنة الحوار الوطني قبل عدة سنوات ، ووضعنا نظاما مقبولا للإنتخابات ، وفي بداية النقاش سألنا أنفسنا ماذا نريد من القانون أن يحقق للأردنيين ؟ فكانت الإجابة تتمحور حول الشفافية والتمثيل الحقيقي للمواطن وكذلك الإستمرارية ، وقلنا يجب أن يتوافق القانون مع النظرة المستقبلية للإصلاح ، وبالفعل بدأنا بذلك ووضعنا التفاصيل .

ولكن للأسف في كل حقبة تأتي دائرة أو جهة مسؤولة أو ظرف ما باقتراح قانون جديد حتى أصبحنا بالفعل حقلا للتجارب ، حتى أنّ مفهوم النزاهة بات مجالا للتندّر ، خاصة بعد أن علمنا أنّ مسؤولين كشفوا أنهم تلاعبوا بالإنتخابات وتدخّلوا بها ، وهذا بحدّ ذاته استخفاف بالمواطن وقدراته ورغباته ، لذلك يكفي التلاعب بمثل هذه الأمور الهامة ، فالإنتخابات أحد أهمّ أعمدة الديمقراطية ، فمن خلالها يجري اختيار مجموعة من الأشخاص يديرون شؤون البلاد لمدّة محدودة ، ويمكن أن تقرر الأمّة انتخابهم مرّة أخرى أو غيرهم بالنظر إلى مدى تحقيقهم لأهدافهم .

ومفهوم الإنتخاب أساسي في عملية الإصلاح السياسي ، وهو غير خاضع للتجارب بصورة أو بأخرى ، أمّا بالنسبة للكوتات فأنا ضدها باستثناء كوتا المرأة .

الغد : الحكومات يبدو أنّها لا تلتفت كثيرا لما يجري في الشارع ، فالحراك السياسي يمكن إرضاؤه ببعض القرارات ، ولكن في ظلّ هذه الأوضاع هل يمكن أن نشهد مثلا حراكا للجوع إذا ما بقيت النظرة سلبية للشارع والمواطن يعيش ظروفا إقتصادية صعبة ؟

المصري : المرحلة اليوم يطغى عليها الجوع والظروف المعيشية الصعبة ، وهناك فئات كثيرة أصبحت تحت خطّ الفقر ، وداهمت هذه الحقيقة المجتمع بشكل سريع ومفاجيء ، والمجتمع لم يستطع أن يكيّف نفسه ، بل أصبح واضحا أنّ الفقير يزداد فقرا ، ومن هم على حدود الفقر انضموا لخانة الفقراء ، والأرقام الرسمية في معظمها لا تمثّل حقيقة الوضع ، ومجرّد تغيير رقم خط الفقر بعشرة دنانير ، من 400 إلى 410 دينارمثلاً ، فهذا سوف يضيف أعدادا كبيرة إلى خانة الفقراء .

بــرأيي ستبقى الأوضاع المعيشية ملتهبة ، وأتمنى أن لا يرمى لها عود ثقاب من آخرين ، ولكن إذا ما نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ مشروعها أو مخططاتها مثل صفقة القرن وما يرافق ذلك من دعم مالي كبير للدول ذات العلاقة ، فإنّ المخطط الشمولي للإقتصاد في المنطقة سيصيب الأردن بمبالغ كبيرة ، وتقديم الجوائز الكبيرة للمجتمعات من خلال تنفيذ مشاريع ضخمة يستفيد منها المواطنون وتعمل على تحسين ظروفهم ، هذا عدا عن حصول الأردن عل نفط ميسّر ومستدام ، فهذا كلّه جزء من مخطط شمولي معدّ للمنطقة يجري تنفيذه حسب سير الأمور .

الغد : الجميع يعترف بأنّك حافظت على الديمقراطية حين قدّمت استقالة حكومتك ، ولم تلجأ لحلّ مجلس النواب حين بدأ الحديث عن مؤتمر للسلام ، كيف تصف تلك الفترة ؟

المصري : في عام 1989 أصبح لديّ تغيير جذري في توجهاتي ومفاهيمي ، وكذلك مفهومي للحياة السياسية ، فقررت خوض الإنتخابات النيابية ذلك العام ، وبدون تخطيط مسبق ، وكانت فرص النجاح وعدم النجاح متساوية ، لذلك قمت بجهود كبيرة في لقاءاتي لتبيان مواقفي ، ولم اتعمّد أستخدام اسم عائلتي أو عنصر المال في الحملة الإنتخابية ، بل بنيت ذلك على قواعد وسياسات ، ونجحت فيها .

كان مجلسا نيابيا يتمتّع بالعنفوان وكنت أشعر بالفخر لوجودي به ، وضمّ العديد من التكتلات ، وكنت سعيدا بذلك ، لأنني جزء منه ، وبوجود نواب من نوعيات مختلفة إلى حدّ كبير ، لقد استمتعت بالجو الديمقراطي حتى لو أنّه أتعبني كثيرا ، من خلال هذا التنوّع الإسلامي واليساري والقومي والوطني الأردني ، لقد شعرت بأهميّة الرقابة والمساءلة التي يمارسها مجلس النواب .

أنا مقدّر تماما ما حصل في تلك الفترة ، فالأردن كان معاقبا نتيجة لموقفه من دخول العراق للكويت ، وأنا قبلها كنت وزيرا للخارجية ، وأفهم مواقف الدول ، ولذلك ؛ المفهوم الديمقراطي كان مهمّا جدّا عندهم ، وعودّت نفسي أن أتحدّث بصراحة وحسب قناعاتي ودفعت الثمن ، لكن يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ، بحيث لا نرفع شعارات ولا نقوم بتطبيقها .

إزاء ما جرى في المجلس النيابي عندما كنت رئيسا للوزراء ، عرضت استقالتي على الملك الراحل وأن يقوم بتكليف غيري لتولّي المسؤولية ، ولم يقبل أحد حينها هذا المنصب ، رغم أنني قلت للملك بأنني على استعداد لأن أكون وزيرا للخارجية في أيّ حكومة قادمة .

كنت أرى مجلسا نيابيا ملتزما ، ولذلك استمرار هذا المجلس أفضل مئة مرّة من بقاء الحكومة ، فاستقلت من منصب رئيس الوزراء دون شعور بالغضب أبدا ، وأنا راض عن قراري في ذلك الوقت ، وأشعر بالسلام مع نفسي .

الغد : بصراحة ؛ هل تعتقد دولة الرئيس أن دخول العراق للكويت كان خطيئة ما زلنا ندفع ثمنها ؟

المصري : نعم ؛ كان ذلك خطيئة وهو ما أوصلنا إلى مانحن عليه اليوم ، فقد امتدّ تأثير ذلك على كافة الدول العربية وفي موضوع القضية الفلسطينية أيضا .

الغد : دائما ما أوجّه سؤالا حول اتفاق أوسلو ، ولماذا اختار الرئيس الراحل ياسر عرفات هذا الطريق ، هل لأنّه وجد أنّ العرب قد تخلّوا عن القضية ، وأنّ الحلّ هو دخول فلسطين بأيّ طريقة ؟

المصري : أبو عمار كان يؤكّد دائما على القرار الفلسطيني المستقل ، وكان حينها واقع تحت أمزجة أنظمة عربية عديدة ، وكلّ نظام يطمح بأن يكون ( الكارت ) الفلسطيني بيده، وهو بصراحة لم يكن يثق بأحد أو يعتمد على أيّ نظام عربي ، حتى الروس لم يكن يريد الإعتماد عليهم ، وكان هدفه فتح خطوط مع واشنطن .وقرر فتحخطّ مواز سريّ لما كان يجري من مفاوضات في واشنطن مع الجانب الإسرائيلي تأكيداً لإستقلال القرار الفلسطيني وابتعاداً عن تأثيرات عربية منها الأردن واستكمالاً لقرار قمة الرباط عام 1974، وكان لديه اعتقاد بأنّ بطء المفاوضات في واشنطن لن يؤدّي إلى نتائج ، فكانت أوسلو والتي انتهت باغتيال اسحق رابين .

أوسلو كانت ستتدرّج إلى حكم ذاتي واسع ثمّ تفضي لإقامة الدولة الفلسطينية ، بحيث يمثّل ذلك جهدا فلسطينيا خالصا ، ولكن إغتيال رابين عطّل كلّ هذه الجهود مع مجيء اليمين المتطرّف في اسرائيل .

الغد : هل هناك من موقف طريف جمعك مع المرحوم ياسر عرفات خلال تلك الفترة ؟

المصري : المواقف كثيرة ، ولكن أبو عمار كان دائما ما يستعرض حرس الشرف كلّما زار مدينة في الضفة الغربية ، فسألته ؛ لماذا كلّ هذا أخ أبو عمار ؟ فأجاب حتى نؤكّد سيادتنا ! هو كذلك ، شخصية مختلفة عن الآخرين.

الغد : هذا يقودنا للسؤال حول علاقة ياسر عرفات بالملك حسين ، فكيف كانت الثقة بينهما وهما اليوم في دار الحقّ ؟

المصري : كما قلت ؛ أبو عمار كان كثير الشكّ بالآخرينوبنواياهم ، حتى في العلاقة مع الراحل الملك حسين ، فالثقة بينهما كانت في حدودها الدنيا .

الغد : عبارة قالها أحدهم قبل أكثر من ربع قرن ؛ وهي الحقوق المنقوصة ، والمقصود هنا للأردنيين من أصل فلسطيني ، ولكن ألا ترى معي بأن الكثير من الأردنيين يعانون نقصا للحقوق في العديد من المناطق سواء كانت سياسية أو غيرها ؟

المصري : تعبير الحقوق المنقوصة يشمل فئات متعددة ، وليس المقصود بها هنا أردني أو فلسطيني ، بوادي أو مخيمات .. الخ ، هناك من يشعرون أن حقوقهم منقوصة بغضّ النظر عن المنبت ، فالتعبير الذي قصد منه الأردني من أصل فلسطيني يجب أن يحذف من قاموسنا ، ونتحدّث عن فئات اجتماعية في كافة أنحاء المملكة تعاني من هذا النقص ، والبعض قد يقول بأنها صغيرة ، وحقيقة الأمر أن الصغير يكبر ، وحينها سنجد أنفسنا أمام واقع دقيق وربما الأسوأ مما نحن فيه .

الغد : بصورة عامة ؛ كيف تنظر إلى الوضع في الأردن من كافة النواحي وآفاق المستقبل ؟

المصري : الوضع في الأردن صعب ، وهناك أعاصير تجتاح المنطقة ، ولن تستطيع الدول أو المجتمعات أن تواجه هذه الأعاصير إلّا إذا كانت هناك مجتمعات متماسكة ، وقناعات بحسن الإدارة وبوطنية القرارات وبقوّة النظام .

لقد حدث عبر العقود الماضية تراجعات وخلخلات مجتمعية وإدارية وسياسية ، وأصيب الجهاز الإداري للدولة بالترهّل وربما الفساد ، والبيروقراطية ، كما أنّ الوضع الإقتصادي والمالي أصبح خطرا على النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي وعلى هيبة الدولة .

علينا العودة إلى القواعد القويمة ، ونعيد كلّ حسنات ومقومات المجتمع والإدارة ، هناك الكثير مما يهدد حياتنا ، ويؤثّر على ميّزتنا بالأمن والاستقرار الذي نتمتع به ، وهذا يحتاج إلى عمل دؤوب ووطنية خالصة والتزام ، وهنا لا يسعني إلّا القول ؛ بأننا بحاجة إلى مراجعة شاملة وجدية لكل سيرتنا الوطنية وأن نثق بقدرتنا على التعامل الديموقراطي في ضوء التشريعات الهادفة ، وعليها أن تعلي سيادة القانون واحترام رغبات الشعب .

 

 رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في حوار شامل مع الغد ..