القلعة نيوز: كتب د. محمد أبو بكر 

الإخوان والدّولة .. والخطأ الكبير

تجاوز الجماعة ضرب من الجنون ومراهقة سياسية

 

 للعلم أوّلا ؛ الإفطار الذي جرى في قاعة جبري يوم الأربعاء الماضي ، هو إفطار جماعة الإخوان المسلمين التاريخية التي يقودها الشيخ همّام سعيد ، الذي كانت جماعته قبل ثلاث سنوات ينظر إليها على أنّها غير شرعية ، بعد أن أقدمت الحكومة على ترخيص جماعة أخرى تحت مسمّى ( جمعية جماعة الإخوان المسلمين ) .

الجماعة التاريخية تعود اليوم إلى الواجهة ، فقد سمح لها بإقامة إفطارها ، بعد أن منعت من ذلك في العامين الماضيين ، لأسباب لا تتعدّى المناكفة بين الحكومة والجماعة ، ولكنها اليوم تقيم إفطارها بحضور عدد كبير من الشخصيات السياسية الفاعلة ، من وزراء ونواب ومسؤولين وقيادات نقابية وحزبية وإعلامية وغيرها ، في صورة توحي بأنّ الجماعة قادمة بقوّة ، وأنّ العلاقة مع الدولة وأجهزتها في طور الترميم ، وإعادة الأمور إلى نصابها ، وربما هو اعتذار عن خطأ كبير ارتكبته حكومة سابقة بحقّ الجماعة .

وعلى الرغم من ترخيص الحكومة لجماعة أخرى ، إلّا أنّ جماعة الإخوان التاريخية بقيت هي المسيطرة على الشارع ، وتحظى بنفوذ جماهيري كبير لا ينكره أحد ، ولديها مجموعة من النواب في البرلمان ، وكان لاستقبال جلالة الملك لنواب كتلة الإصلاح ، أو نواب الإخوان قبل فترة وجيزة مقدّمة لإعادة الإعتبار لها وبداية الطريق للتصحيح .

الإفطار سابق الذكر ؛ كان مختلفا تماما من حيث الحضور المميز ، فشوهد رئيس الحكومة الأسبق عبد الله النسور ورئيس الديوان الأسبق الدكتور خالد الكركي الذي ألقى كلمة في الحفل كان لها الصدى الواسع بين الحضور وفي مختلف وسائل الإعلام ، وهي رسالة واضحة من شخصية محترمة لها وزنها وثقلها إلى العديد من الجهات والقوى في الدولة الذين سيعيدون قراءتها مرات ومرّات .

وفي كلّ الأحوال ؛ اليوم يجري تكريس الإعتبار للجماعة التاريخية التي تعمل على الساحة منذ أكثر من سبعين عاما ، وهذا يوحي بالخطأ الكبير الذي ارتكبته تلك الحكومة ، التي اكتشفت فجأة بأنّ الجماعة غير شرعية ، وطالبتها بالتوجه لوزارة التنمية الإجتماعية لتصويب أوضاعها ، فرفضت الجماعة ذلك مؤكّدة حصولها على الترخيص في عهد الملك المؤسس عام 1946 .

التقارب بين الدولة والإخوان في هذا الوقت بالذات يعود لأسباب عديدة ؛ أوّلها .. أنّ الجماعة ما زالت تحظى بثقل كبير في الشارع ، ولا يمكن تجاوزها بحجّة ترخيص ، فالشارع هو الحكم ، فعندما تمتلك جهة ما حالة جماهيرية كبيرة ، فهي ليست بحاجة لتلك الورقة المسمّاة .. ترخيص !

والثاني ؛ أنّ الجماعة وعلى مدى عقود عديدة ، وهي ترتبط بعلاقة خاصّة مع النظام والأجهزة المختلفة ، وهناك خطوط متفق عليها بين الطرفين لا يسمح بتجاوزها ، والجماعة تدرك اليوم أكثر من ذي قبل حاجة الدولة لترميم العلاقة نظرا للتطوّرات الهامّة والخطيرة في الساحة الإقليمية ، وعلى الرغم من أنّ الجماعة باتت محظورة في بعض الدول العربية ، إلّا أنّ الأردن يصرّ على أنّ الإخوان جزء هام من النسيج السياسي والإجتماعي الأردني ، ولا يمكن المغامرة إلى ما هو أبعد من ذلك ومناصبة العداء لهم  .

والثالثة ؛ أنّ الإخوان اليوم يختلفون عن إخوان الأمس ، والتصريحات الصادرة عن قيادات ونواب توحي بأنّ الجماعة باتت تعي اللعبة السياسية جيدا ، وهي اليوم قريبة جدا من مواقف النظام في القضايا الهامّة والمصيرية ، وخاصة ما يتعلّق بفلسطين والقدس .

وفي المقابل ؛ فإنّ الأردن قد يجد نفسه في موقف قد لا يرضي بعض الأطراف العربية ، فيما يتعلّق بما يجري مع جماعة الإخوان التي بدأت تعود إلى وضعها الطبيعي الفاعل والمتفاعل ، في حين أنّ أطرافا أخرى كتركيا وقطر تلقّت بترحاب هذه التوجهات التي ترى فيها حنكة سياسية أردنية في التعامل مع أكبر قوّة سياسية في البلاد ، وتجاوزها هو ضرب من الجنون السياسي أو المراهقة السياسية الصبيانية التي مارستها حكومة ذات يوم .

يسجّل للنظام هذا التغيير الكبير في العلاقة مع الإخوان التاريخية ، وإذا كان الملك عبد الله الثاني قد بدأ فعلا بقيادة قطار التغيير الذي كانت محطّته الأولى .. القصر ثمّ المخابرات وصولا إلى الحكومة ، فإنّ هذا القطار لن يتوقّف إلّا بعد تسوية كافة القضايا العالقة ، ومنها العلاقة مع الإخوان .

قطار التغيير يسير بسرعة ، وربما يجرف في طريقه ما لم نكن نتوقّعه ، فالمحطات التي سيتوقف عندها كثيرة ، وقد تشمل أجهزة أمنية وسلك القضاء والهيئة المستقلّة للإنتخابات وغيرها ، مما يشي بأنّ الأردن يقف على أعتاب مرحلة هامّة جدا من تاريخه ، وهي مرحلة لا تتطلّب وجوها تقليدية بقدر حاجتنا إلى قادة سياسيين قادرين على تحمّل أعباء المرحلة ومواجهة المخاطر القادمة .

نعم ؛ نحن بحاجة لذلك النوع من القادة السياسيين وبما يعين قائد البلاد الذي حمل معول التغيير بنفسه دون الإعتماد على أحد ، وهذا يؤكّد أنّ الملك اليوم عازم على الدخول في مرحلة جديدة تتطلّب الوعي والتنبّه والحرص واليقظة ومواجهة المخططات القادمة ، التي لن يكون الأردن ببعيد عنها ، وهي تتطلّب تضافر كافة الجهود دون استثناء استعدادا للمواجهة المحتملة مع قوى عربية وإقليمية ودولية باتت على أبوابنا .