"ضمان جودة التعليم يعتمد على وجود كادر تدريسي قوي قادر على توصيل المعرفة، وأن يتم تبني منهجيات تحث على التفكير والاستنتاج والفكر الناقد، وتوظيفه كي نتحول من التلقين إلى التعلم، وتحفيز الطلبة ودفعهم نحو الابتكار والابداع بصورة حقيقية وليست مجرد قشور سطحية،

 المطلوب حركة تصحيحية إصلاحية تقوم على التغيير الجذري لمسارات وأسس ظلت ممارسة منذ مدة طويلة، ولذا تحتاج إلى تعديلات على الفكر الناظم للقطاع وتمثل تحديات تتطلب مهارة في إدارة التغيير، لتتمكن من مواجهة مختلف العقبات المقاومة للتغيير والتغلب عليها. "

   هذا ماتوصلت اليه مقالة الاستاذ الدكتور العين  طلال ابو غزاله المعروف اردنيا وعربيا وعالميا بمبادراته  التعليميه وقدراته ونجاحاته  المهنية ...وفيما يلي  نص المقاله :

Image result for ‫الدكتور ابو غزاله‬‎

القلعة نيوز-   العين الدكتورطلال أبوغزاله -*

إن قطاع التعليم العالي في الوطن العربي وقوانينه الناظمة بحاجة لمراجعة وتغيير جذري، إذ أن هذه القوانين مبنية على السيطرة والقليل من الحرية، ناهيك عن أن هذا القطاع بشكل عام، لم يتفاعل بذكاء مع الديناميكية المتغيرة بين المُنتج (الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بشكل عام) والمستهلك (قطاع الصناعة والأعمال والسوق بشكل عام)، فعلى سبيل المثال لا الحصر: لا تسمح المعايير والتعليمات بإعطاء الجامعات الحرية للتميز وبناء شخصية مستقلة منفردة لها، فمتطلبات الجامعة مثلا موحدة أو نسخة كربونية لجميع الجامعات وأنا لا أرى مبررا لذلك،

فالجامعة لا تستطيع –بموجب هذه المعايير والتعليمات- أن تطرح -إذا شاءت- متطلبات إجبارية لطلابها كالرياضة، والفن والموسيقى، أو مقررات تتضمن توجهات لبناء الشخصية، أو غير ذلك لتمكين الجامعة من أن تنفرد وتتميز بشخصية خريجيها، ولا أرى أن هذا بمجمله يتوافق مع التوجهات والممارسات في قطاع التعليم العالي في الخارج، حيث يجب أن تكون الخطة متوفرة كهيكلية، ثم يُترك للجامعة ملؤها كما تراها وبما يتوافق مع رؤيتها ورسالتها، ولا يخفى أن متطلبات الجامعة بشكل عام تحتوي على مقررات قد عفا عنها الزمن،

فما معنى أن تواصل الجامعات إعطاء مهارات حاسوب، وجميع الطلاب لديهم مهارات تفوق ما يغطيه المقرر من مفاهيم جامدة غير مفيدة، إضافة إلى مقررات أخرى قديمة مكررة لا تضيف إلى المعرفة شيئا ولا تُثري الثقافة، بل وتحجم العقل، ولذا فقد آن الأوان للتغيير.

وهنا يبرز تساؤل حول جدوى الصلاحية الممنوحة لمجلس التعليم العالي في إقرار التخصصات التي تطرحها الجامعة، لماذا نحد من حرية الجامعات في اختيار تخصصات تواكب العصر شريطة توفر العناصر التي تضمن لها النجاح، بحيث تكون مهام المجلس فقط المراقبة والتأكد من استيفاء المتطلبات لهذه التخصصات الجديدة، وهذا ينطبق على محتوى التخصصات القائمة، فلماذا نحدد للجامعات ما تحتويه تخصصاتها من مقررات ومسارات، ولا نترك لها الحرية في ذلك، لاسيما ونحن نبحث عن مسارات وتوجهات حديثة في مجالات التعليم العالي. كما أنه لا بد من إزالة القيود عن التخصص المنفرد، واستحداث التخصص الرئيس والفرعي، والدرجات المزدوجة، وغير ذلك من النظم التعليمية التي تتيح تزويد الخريجين بأدوات تمكنهم من التكيف الوظيفي وتلبية متطلبات سوق العمل.

وهناك آراء متباينة حول نوعية القيادة والحوكمة والتنظيم ومحددات الرئيس والقيادة الأكاديمية، فلماذا تُحصر الرئاسة في درجة الأستاذية، في حين أن هناك حاجة للكثير من الخواص في الرئيس ليس بالضرورة أن يكون حاملها أستاذا، وخاصة في القدرات على التغيير واستقطاب الأموال، والإبداع والاستثمار ومعرفة بالتخطيط الاستراتيجي، وقدرة على قراءة القوائم المالية، وغيرها. ولذا نحتاج لإعادة النظر في آليات وشروط اختيار الرئيس للجامعة، إذ لا يوجد أي مبرر لأن يكون التركيز منصبا على أنه فقط باحث متميز، ويحقق درجة عالية في مؤشرات البحث العلمي، والنشر، وعناصر أخرى تتعلق بهذا المجال مثل Citation، إذ ان هذه الصفات نحتاجها لنائب رئيس أكاديمي يستطيع تغطيتها، أو لعميد بحث علمي، يحرص على تنميتها في بيئة الجامعة، أما الرئيس فبالتأكيد لا يحتاجها ولا تشكل عناصر إضافية ذات فائدة أساسية، بحيث يتحتم تواجدها ضمن مؤهلات الرئيس.

ومن ناحية أخرى لا بد من وضع أطر للهيكل التنظيمي للجامعات، فالتضخم في الهيكل يضيف أعباء مالية بدون تحقق فوائد عملية، فتضخم الجهاز الإداري وتعقيد الهيكلية يؤدي إلى زيادة بيروقراطية وهدر مالي ضخم، ويمكن أن ننظر لأي جامعة حكومية لنلمس مدى الهدر في هذا الجانب، فلماذا نحتاج لمساعدين للرئيس أو العميد أو رئيس القسم؟ ناهيك عن نواب الرئيس والمبالغة في أعدادهم وتصنيفاتهم، فلماذا مثلا نحتاج في الكليات نائب عميد للشؤون الطلابية؟ وغير ذلك من الأمثلة.  

كما آنه آن الأوان لتقديم نماذج غير تقليدية للجامعة، مثل النمط الريادي

Entrepreneurial University Model، وخاصة في الجامعات الفنية والتقنية، بحيث تصبح الجامعة جاذبة للطلبة، وتخرج رواد أعمال، وتُنتج شركات، تساهم في نمو الاقتصاد الوطني، وتساهم في حل مشاكل الفقر والبطالة، ويصبح شعار الجامعة لخريجيها «خلق فرص عمل وليس البحث عن فرص عمل»، ويتم بناء النموذج من خلال بناء حاضنات أعمال تقوم على الشراكات مع قطاعات الصناعة والأعمال والأموال والصناديق، لتوفير التمويل اللازم، إضافة إلى خلق نموذج لاستدامة موارد مالية للجامعة. وهنا تستطيع مثل هذه الجامعات التفرد بتميز في مجالات تختلف فيها عن الجامعات البحثية التعليمية التقليدية، وخاصة في المدن والمناطق النائية خارج العاصمة وخارج المدن الكبيرة في المملكة.

أما بالنسبة لإعادة هيكلة حوكمة قطاع التعليم العالي، فإنه لا بد من إعادة النظر في جدوى بقاء بعض الهيئات التي ثبت عدم فاعليتها وعدم قدرتها على تأدية الهدف من وجودها، ولعل المثال هنا يتعلق بهيئة الاعتماد وضمان الجودة. فهذه الهيئة خاضت خلال عمرها الذي يزيد عن عشرين عاما مراحل عديدة في هذا المسار، ولكننا لم نلمس أن ما قامت به قد قاد لتحسين مستوى التعليم العالي وأن جودته قد تم ضمانها وضبطها، بل على العكس، يلمس الجميع تراجعا في المستوى، وتأخرا في الجودة، وعجزا عن استقطاب الطلبة من خارج المملكة. فهل آن الأوان لحل هذه الهيئة، واستبدال المنهجيات بأخرى أكثر نجاعة، وأقل هدرا للمال والجهد، وتركيز الجهود نحو تحسين التعليم والتعلم وليس مجرد اجراءات ثبت أنها لم تحقق الغايات المنشودة فيما يتعلق بضبط الجودة، والنظر إلى الطواقم والطاقات المستنزفة التي تبذلها الجامعات في هذا المجال، بحيث أصبحت تهتم بالشكل وغفلت عن الجوهر، فتبنت أنظمة ووثقتها وغفلت عن أن ما يهم من كل ما قامت به هو التعليم والتعلم وتحسينه، وهذا ما لم يتحقق. فأصبحت الحاجة تستدعي القيام بتقييم هذه التجربة بمنتهى الموضوعية، والبحث عن البديل الأمثل. 

وفي ظل ضعف الموارد المالية والدعم الذي تتلقاه الجامعات، وبهدف تقليل الاعتماد على الدعم الحكومي، يجب أن تقوم الجامعات ببناء تصورات لتوفير أكبر قدر من التمويل، والتوجه إلى مجالات استثمارية تعود على الجامعة بعوائد مالية مستدامة، وهذا يحتاج أيضا إلى توفير خبرات في مجالات الإدارة المالية بحيث يتم تقليل النفقات، وتوفير الموارد الإضافية وتنميتها بصورة مستدامة، وربما تحتاج الجامعات إلى توفير الاستشارات المالية من جهات خارجية ذات خبرة في هذا المجال.

وتحتاج الجامعات لوضع خطط وآليات كي تتمكن من مواكبة التطور المتسارع واحتياجات السوق خاصة في المجالات التقنية، فالتوجهات في المجتمع المعرفي لا تتوافق مع النمط التقليدي للتعليم العالي، إذ أن التحديات والفرص المتاحة تحتاج لأن تدخل تقنية المعلومات ليس كمجرد وسائل داعمة للعلوم المختلفة وإنما كمحور وركيزة أساسية في مختلف المجالات في التعليم العالي، ولا سيما في توجيه البحث العلمي نحو البحث التطبيقي الذي ينتج عنه منتجات تقوم عليها شركات ناشئة، وتقوي العلاقة بين الجامعات والصناعة، بحيث تتشجع الشركات والمصانع على تقديم الدعم المالي وتوفير الفرص لتمويل المشاريع.

أما بالنسبة إلى تسويق قطاع التعليم العالي فإن ذلك يحتاج إلى وضع خطة وطنية تتبناها الجامعات في آلياتها لاستقطاب أكبر عدد من الطلبة المتميزين من داخل الأردن وخارجه، إذ أن القبول التنافسي لا يدل على أي نشاط للجامعة في الجانب التسويقي، أو كيفية بناء بروفايل قوي للجامعة قادر على جذب الطلبة بنوعيات متقدمة، إضافة إلى جذب جهاز أكاديمي متميز. هذه الفكرة غير مطروقة بتاتا في جامعاتنا، وتجد أن الجامعة تأبى أن تسوق نفسها، وتعتمد على أن من بها سيظل بها، وأن الطلبة هم من يسعون للدخول فيها وبدون مجهود منها معتمدة على قبول تنافسي يمكن أن يكون حتى غير عادل في معظمه. 

ومن من مؤشرات التقدم في الجامعات مبدأ الحراك Mobility بين هذه الجامعات وعبر الحدود Cross Boarders لتنمية التواصل الطلابي والتفاعل بين الثقافات والحوار لمواجهة عوامل الارهاب الفكري بالحوار، وهذا يؤدي إلى تحسن جودة الوسط التعليمي وما يقدمه، والتحسن التدريجي لسمعة الجامعات الأردنية، ولا بد أيضا من إعادة النظر في مشاريع وبرامج قائمة تم تبينها وتنفيذها، ولم تثبت جدواها، مثل امتحان الكفاءة، والأساليب المتبعة في التعلم الإلكتروني، إذا أن الحاجة أصبحت ملحة لتعزيز التوجهات الجادة نحو الانتقال من التعليم للتعلم بصورة فاعلة. 

كما تحتاج الجامعات إلى عمل دراسة جدوى لخططها الاستراتيجية تقوم على تحليلها وتبيان مدى واقعيتها وبأنها ترتكز على أساس حقيقي لما تقدمه الجامعة، وهل هناك حقا رسالة ورؤية واقعية للجامعة، وهل تحتاج الجامعة إلى إعادة النظر فيما وضعته من خطط استراتيجية إذا ثبت عدم واقعيتها، وإنما جاءت فقط تلبية لتوجيهات الوزارة، ولذا لم تنعكس على الأداء، وهنا يأتي دور الرئيس وقدرته على الوصول بجامعته لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وربما تحتاج الجامعات إلى توفير خبرات استشارية في هذا المجال، من واقع عملي وليس فقط اعتماد معرفة نظرية في هذا المجال، كما نراه حاليا في جامعاتنا.

وتحتاج الجامعات أيضا إلى إعادة التركيز على أهم عنصر في العملية التعليمية/التعلمية وهو عضو هيئة التدريس، فيجب التأكيد على الدور الأساسي والمحوري الذي يقوم به هذا العضو في تحسين المستوى التعليمي. إن ضمان جودة التعليم يعتمد على وجود كادر تدريسي قوي قادر على توصيل المعرفة، وأن يتم تبني منهجيات تحث على التفكير والاستنتاج والفكر الناقد، وتوظيفه كي نتحول من التلقين إلى التعلم، وتحفيز الطلبة ودفعهم نحو الابتكار والابداع بصورة حقيقية وليست مجرد قشور سطحية، ولذا نحتاج لوضع برامج وخطط تقوم على تأهيل الكادر ودعم هذه التوجهات وتحفيز الجامعات نحو تبني هذه المنهجيات، وتعزيز التنافسية بينها في المجالات المختلفة، بهدف إبراز تميز الجامعة في مجالاتها بغض النظر عن الجامعات الأخرى وبشكل يُفرد كل جامعة على حدة ويميزها، فلا داعِ لأن تكون جميع الجامعات متميزة في البحث العلمي لأن هذا هدف لا يمكن إدراكه للجميع، وللجامعة أن تقرر أن رسالتها تتركز على التدريس، وأخرى تتركز على البحث التطبيقي، ومجموعة أخرى تتميز في برامج محددة، وهكذا، وهذا يتأتى بإعطاء الجامعات مساحة للتحرك بحرية دون أن يفرض عليها مجلس التعليم العالي مسارات تُطبق عليها جميعا، فنحن نعتقد أن الحرية هي ما يُنتج الإبداع، وأن التميز يمكن أن يتم من خلال مسارات ورؤية تراها الجامعة وليس بالضرورة أن تكون كما تراها الوزارة، وبالتالي لن تتأثر مسيرة الجامعة بتغير الإدارات في الوزارة وبتغير رؤية أي وزير يتولى إدارة القطاع وتحديد خطوطه.

هذه ملامح حركة تصحيحية إصلاحية تقوم على التغيير الجذري لمسارات وأسس ظلت ممارسة منذ مدة طويلة، ولذا تحتاج إلى تعديلات على الفكر الناظم للقطاع وتمثل تحديات تتطلب مهارة في إدارة التغيير، لتتمكن من مواجهة مختلف العقبات المقاومة للتغيير والتغلب عليها. 

وختاما أسأل:

من يشدشد براغي هارفرد وإم آي تي وكولومبيا وييل وأكسفورد وكامبردج؟ 

لا نحتاج إلى من يشدشد براغي مؤسساتنا التعليمية. 

بل نحتاج إلى رفع اليد عن التعليم. 

الدول المتقدمة علميا تترك تقييم الجودة لمؤسسات مستقلة.

*الكاتب :

عضو في مجلس الاعيان الاردني- مؤسس ورئيس مجموعة طلال ابوغزالة العالميه - خبير دولي