القلعة نيوز-
حظي كتاب الدكتور سليمان علي البدور «حقائق التاريخ العربي - قراءة جديدة للوقائع والمفاهيم»، باهتمام نخبوي واسع، في الندوة التي تحدث فيها رئيس مجلس الإدارة في «الدستور» الأستاذ محمد داودية، والأستاذ جميل النمري، وأدارها الإعلامي إبراهيم السواعير، مساء يوم الأحد الماضي، في المكتبة الوطنية.
 كتاب موسوعي مكثف مختلف
وتحدث الأستاذ داودية عن الجهد الكبير الذي بذله المؤلف ليقدم للمكتبة العربية كتابا موسوعيا مكثفا مختلفا، كتبه الدكتور البدور بشجاعة وبلا انحياز وبلا خوف وبلا حذر.
وقال إن الكتاب الذي استغرق تأليفه أربعة أعوام، اقتضى من الكاتب مراجعة اكثر من 200 مرجع عربي واجنبي، واجنبي مترجم، وصفها بانها من اقدم وافضل المصادر التاريخية والدينية المعتمدة في مراكز البحث والدراسات والجامعات الدولية العريقة.
وأشار داودية إلى جملة من عناصر التميز والتجديد والفرادة التي تسم كتاب الدكتور البدور.
ودعا كل من يهتم بتاريخ أمته العربية الى قراءة الكتاب الذي يعيد الاعتبار لكثير من الأسماء التي طالتها المظلومية قرونا طويلة. وينزع الهالات الزائفة عن كثير من الأسماء التي حفُها تمجيد مزيف غير مستحق لقرون عديدة.
وقال داودية إن التحديق في تاريخ امتنا العربية العظيمة، المتميز بالصراع على النفوذ والسلطة وصراع الفرق والمذاهب، يفسر لنا ما نحن فيه اليوم من تخلف وضعف وهوان.
 استقراء نقدي في التاريخ
من جانبه قال الأستاذ جميل النمري: هذا الكتاب ليس سردا للتاريخ بل استقراء في التاريخ أو كما يقول العنوان (قراءة جديدة في الوقائع والمفاهيم) استقراء نقدي يستنطق بجرأة ودون انحياز ولا مجاملة التاريخ العربي من بداية ظهور العرب في التاريخ وحتى عصرنا الحالي، وهو يذهب الى النقيض من النظرة الرومانسية التجميلية والتبجيلية حتى لأكثر الفترات حساسية وخصوصية وقداسة وهي فترة ظهور النبوة وتأسيس الدولة الاسلامية.
وأضاف: الفترة تمتد لمساحة لا يمكن تخيل تغطيتها في كتاب واحد (800 صفحة) لكن طبيعة الكتاب والمغزى منه تفرض ذلك؛ فالكتاب ليس كتابا إخباريا يعيد سرد الوقائع التاريخية بل تسليطا للضوء على جوانب وحقائق وتفاصيل موثقة في المراجع الاكثر مصداقية بما تحمل من دلالات صادمة لما هو مستقر في الأذهان من صور صنعتها الصياغة العامة المعتمدة، وما احوجنا لهذا النوع من القراءات النقدية الموضوعية التي قام بها د. سليمان البدور وخصوصا مع هذه الأزمنة الأخيرة، ونحن نرى كيف خدمت الصورة المثالية المفترضة للماضي الأصولية والسلفية الدينية وهي تروج مقولة أن سر تدهورنا هو في ابتعادنا عن الدين الصحيح الذي سار عليه « السلف الصالح» وصنع أمجاد الأمة لنكتشف أن السلف لم يكن بهذا الصلاح المفترض ولم يكن (غالبا ) الدين الصحيح والمبادئ والإيمان والتزام العقيدة هو ما حكم سلوكه بل كما في كل مكان وزمان المصالح الدنيوية والدنيئة والمكاسب الأنانية وطموحات السلطة وكل النوازع البشرية المعروفة والمألوفة بما في ذلك في مرحلة فجر الإسلام والفتوحات.
مهمة الكتاب لم تكن سهلة ابدا وهو يوثق ليس لوجهة نظر بل لحقائق ووقائع خصوصا عن أزمنة العرب ما قبل الاسلام وفي فجر الاسلام وحتى ظهور التدوين وكتابة التاريخ الذي بدأ فقط بعد قرن ونصف القرن من ظهور الاسلام. فالعرب اختصوا بالتناقل الشفوي للرواية عن الأحداث والوقائع وكما هو معلوم فأول كتاب عن السيرة النبوية (لابن اسحق) ظهر بعد قرن ونصف القرن من الهجرة الى المدينة. وحتى هذا الكتاب ليس موجدودا ولا نعرف عنه الا من خلال كتاب لاحق هو سيرة ابن هشام حيث المصدر الوحيد لرواية الأحداث هو ما تواتر على لسان الرواة.
وقال النمري: يرصد الكتاب ظهور العرب والهوية العربية بواقعية علمية بعيدا عن الروايات الاسطورية الساذجة ويبين د. البدور ان أول ظهور لاسم العرب كان في كتابة آشورية في القرن الثامن قبل الميلاد تشير للبدو ساكني الصحراء الذين استخدموا الابل، ومن الملفت الاشارة الى ملكاتهن في نفس الوقت كاهنات هذه القبائل، وستمر بضعة قرون على هذه القبائل البدوية غامضة الهوية التي لم تترك أثرا عيانيا وهي كما يبدو كانت تشترك في الامتداد الصحراوي مع جنوب فلسطين وسيناء مع أقوام أخرى تجوب البادية حتى ظهرت مراكز حضرية ودول مثل الأنباط وتدمر ثم الغساسنة والمناذرة يتبعون الامبراطوريتين الفارسية والرومانية.
ويتضح ان الهوية العربية أخذت تتبلور في آن معا على امتداد المساحة من اليمن الى الشام؛ فقد كان هناك على مدار قرون حركة نزوح وحركة تجارة وتنقل من اقصى جنوب الجزيرة الى شمالها وبالعكس حقق اختلاطا ثقافيا ولغويا افرز هذه اللغة السامية وكتابتها التي هيمنت ايضا في بلاد الشام لترث اللغات الأقدم الآرامية والسريانية، وبينما بقيت اغلبية العرب على البداوة وطباعها وتقاليدها ظهرت مراكز مدينية على اطراف الجزيرة وفي وسطها على طريق التجارة ومنها مكّة والمدينة والطائف وقد تمايز سكان هذه القرى في نمط معيشتهم واقتصادهم عن الأعراب الرحل رغم تماثلهم في التكوين القبلي.
لا احد كان يتوقع أن تشهد واحدة من تلك القرى الغائرة في عمق الصحراء المجدبة والقاسية، واحدا من اعظم احداث التاريخ ادهاشا لتوحد القبائل على امتداد الجزيرة والتي لم تتوحد ابدا في تاريخها في كيان سياسي ثم تنطلق في جيوش دحرت الأمبراطوريات الموجودة وأنشأت امبراطورية جديدة امتدت من حدود الهند حتى الأندلس خلال بضع سنوات فقط.
 الأحداث الكبرى بالأسلوب العلمي والموضوعي
الكتاب يعرض منذ الفصل الثالث وحتى الخامس تلك الأحداث الكبرى المذهلة نازعا عنها صفة الغيبية والاعجاز والأسطورية فينهج الأسلوب العلمي والموضوعي في بيان الحقائق والخلفية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتلك التطورات الى جانب الاعتراف بدور الفرد في التاريخ كما مثلته شخصية النبي العربي الاستثنائية الذي كان يظهر على التوالي وبصورة فريدة نبيا ورسولا وزعيما سياسيا وقائدا عسكريا يحمل رؤية ومشروعا طموحا يخالط الخيال وهو يقول لقريش: «كلمة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم». انه بعد ثلاث عشرة سنة من الدعوة السلمية الوادعة داخل مكة وعند عشيرته الاقربين للدين الجديد لم تثمر شيئا، ولم يتجاوز عدد المؤمنين مائة وخمسين شخصا، واذ غير خطته كليا وترك قومه وهاجر إلى المدينة مع اصحابه بعد مفاوضات واتفاق على حلف سياسي مع قبيلتي الأوس والخزرج، فحدث خلال 10 سنوات أن أصبحت الجزيرة العربية بأكملها قد تحولت إلى الاسلام تدين لقيادته لتنطلق حملة الفتوحات التي قضت على اعظم امبراطوريتين (الفارسية والرومانية) ودحرت الثانية عن معظم أملاكها.
ما حدث أن القبائل العربية التي كانت تستهلك طاقتها في الحروب على بعضها والغزو والسلب والنهب فكان افرادها مقاتلين متمرسين في الفروسية والحرب توحدت بالإقناع او القوة لتوجه غزوها للخارج، فحققت نتائج مذهلة ازاء امبراطوريات قديمة اخذها الوهن.
هذا المشروع السياسي المتحد بعقيدة دينية تعرض في لحظة فاصلة هي بدء التوسع للخارج الى خطر داهم بوفاة الرسول وأحداث الردّة بل وقبل ذلك مع بوادر الصراع على الخلافة الذي ظهر والرسول على فراش الموت بين الأنصار والمهاجرين وبين المهاجرين انفسهم. والحادثة عميقة الدلالة في تلك اللحظات، هي قصة تجهيز جيش لحرب الروم الذي أراده الرسول وهو على فراش المرض واصر عليه بشدة وهو يعاني سكرات الموت وتوليته لأسامة بن زيد بن الحارثة عابرا فوق كبار الصحابة ومنهم عمر وابو بكر. ولعل الكتاب لم يعطها حقها ودلالاتها عندما قصر معناها على رغبة الرسول ان يعطي لأسامة فرصة الثأر لأبيه الذي استشهد في معركة مؤته.
ليس عبثا كما يرى بعض المؤرخين ان الرسول كان يحب بالسؤال اذا كان الجيش قد انطلق ويقول لمن حوله ان أنفذوا اسامة انفذوا اسامة. وعندما سمع احتجاجات على اولية اسامة أتكأ على علي بن ابي طالب وعمه العباس وقد ابقاهما عنده ولم يلحقهما بالجيش وطلب سكب الماء عليه لتخفيف الحمى فيصعد ويخطب مقرعا المحتجين.
لا بدّ ان الرسول كان يستشعر الصراع الخطير على السلطة الذي سينشأ بغيابه وكان يريد لخطته بتوجيه الجميع لقتال الأعداء الخارجين ان تنفذ فورا وتحديدا وهو يغادر المشهد لضمان سير الأمور بعده بهذا الاتجاه. كان يريد افراغ عاصمة الدولة من الجيش واشغاله بالحرب والجهاد مع اعظم الاعداء بعيدا في الشام منعا لدخوله في الاحتراب الداخلي على السلطة، ولذلك وضع اعظم قائدين مؤهلين لخلافته في الجيش تحت إمرة الشاب أسامة. وابقى عليا بقربه - ربما بنية خلو أمر الخلافة بهدوء له. هذا مع ان عليا لم يكن واثقا ان هذا ما يريده الرسول وهو لم يستجب لإلحاح العباس عليه ان يسأل وكان يرد انه اذا سمع من الرسول جوابا يمنعه من هذا تكون الإمارة قد منعت عليه الى الأبد. وكان الصحابة يتلكأون في انفاذ أمر الرسول بتسيير الجيش، واذ سمعوا ان الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لمبايعة زعيم الخزرج على الخلافة اتجهوا هناك حيث تمت مبايعة ابو بكر وفق التفاصيل المعروفة في التاريخ. بينما بقي العباس وعلي مع الرسول وهو في النزاع الأخير ثم تكفلا بغسله وتكفينه. وهذا أجل الصراع فقط ولم يحسمه انما بما يكفي لكي تنطلق الفتوحات وتصل إلى أوجها في عهود الخلفاء ابو بكر وعمر وعثمان قبل ان ينفجر الصراع مجددا دمويا طاحنا بعد اغتيال عثمان.
يصف الكتاب الآيات المكية بقرآن الدعوة والآيات المدنية بقرآن الدولة ويوضح تاريخية النصوص القرآنية في الشق المدني أي ارتباطها الوثيق بالسياق المكاني والزماني والعملية الجارية لبناء السلطة الجديدة لدولة المدينة ولذلك تأتي آيات الجهاد كلها في هذه المرحلة.
وفي الاستعراض يتضح كيف انه وبرغم التحولات التي وحدت العرب تحت راية الاسلام وصنعت الفتوحات الباهرة والامبراطورية العظيمة فإن الطبيعة الأساسية والثقافة المتأصلة في العرب كبدو وقبائل استمرت في كل تاريخهم اللاحق؛ فالدولة على أرض الجزيرة لم تكن كيانا سياسيا اجتماعيا واحدا بقدر ما كانت فدرالية قبائل، وجيوش الفتوحات كانت مكونة من تشكيلات على اساس قبلي يقود كل تشكيل زعيم القبيلة وحافزها الأكبر هو الغنائم الى جانب نشر الدعوة. وشكل العرب طبقة غير منتجة من السادة الذين ينعمون بموارد الفتوحات من أراض وعمال عليها الى جانب حصة من أموال الجباية. واستمرت العصبية القبلية كما كانت، وكلما ركدت الفتوحات والحروب الخارجية تعود المكونات القبلية لتنازع المكاسب والأدوار. وما ان انتهى العصر العباسي الأول حتى فقد العرب سلطتهم.
 محاولة جديدة لإعادة النظر في التاريخ العربي
لخص الدكتور سليمان علي البدور كتابه بكثافة مفرطة فقال ان الكتاب محاولة جديدة لإعادة النظر في التاريخ العربي، من خلال قراءة فكرية تحليلية وتاملية، ومن منظور نقدي تنويري غير منحاز، والكتاب من الناحية المنهجية يعتبر دراسة اكاديمية شاملة لا تعتمد السرد التارخي التقليدي والتتابعي للأحداث، بل تستخدم المنهج الاستقرائي الاستقصائي الذي يتتبع الجزئيات ويناقشها للوصول إلى النتائج الكلية، النتائج التي كانت وما تزال وراء كل خيبات وانكسارات زمننا الحاضر.
واضاف الدكتور سليمان البدور: من اجل هذا الهدف البعيد كل البعد عن القيود الإيديولوجية أو الهوى الشخصي، تم اعتماد أبرز المصادر والمراجع ذوات الدرجة العالية من الموثوقية والموضوعية والنزاهة العلمية، العربي منها والأجنبي، وهي أيضا، في معظمها، المعتمدة أكاديميا في الجامعات المحترمة.
واضاف: في هذه الدراسة التي امتدت على مساحة ثمانمائة صفحة، تمت مناقشة وتحليل مائتين وواحد وثمانين واقعة تاريخية ومفهوما تراثيا، هي في رأيي أبرز مفاصل التاريخ العربي السياسي والاجتماعي التي اثرت بصورة حاسمة في تحولاته واندفاعاته وتراجعاته المأساوية في الكثير منها، والباهرة حد المعجزات في بعضها الآخر.
وختم قائلا: الأمل كبير في ان يجد كتابي هذا قبولا موضوعيا وقراءات متأنية بفكر حر وطليق بعيد عن الدوغماتية والتعصب بكافة اشكاله.
نظرة عن قرب
الإعلامي إبراهيم السواعير، الذي أدار مفردات الندوة، قال إن البدور، في قراءته للكيانات العربية قبل الإسلام، يجد أنّه جرى تطوّر جزئي في الحياة الاجتماعية والسياسية لدى عرب شمال الجزيرة ووسطها وجنوبها، فأسسوا كيانات سياسيّة مدنيّة على شكل دول مستقلّة كليّاً في بعض الأحيان، وأحياناً على شكل دول وظيفية تؤسَّس بقرار خارجي لخدمة دول كبرى، وقد حدث هذا في اليمن ومكّة والطائف والبترا وتدمر والحيرة والجابية في الشام. وفي موضوع النبوّة ودولة الرسول، يستخلص البدور أنّ النبوءة عند العرب كانت ثقافة سائدةً قبل البعثة المحمّدية بزمن طويل، وأنّ النخبة القليلة المتنوّرة من مجتمع مكّة، كانت تنتظر أو تتشوّف ظهور نبي من بينها، ولمّا كانت التوراة تبشّر بظهور نبي جديد، فإنّ هذه النخبة، تنافساً مع يهود يثرب وخيبر وغيرهم ممن يتوقعون ظهوره فيهم، كانت مشغولةً بمسألة النبوّة قبل نزول الوحي بقليل. كما يُذكّر بأنّ علاقة النبي محمد برموز المسيحية في الجزيرة العربية كانت عميقة الجذور، وكان لها دور لا يمكن إغفاله في نصرة الدعوة الإسلامية ودعمها، وأنّ الدعوة الإسلامية ومنذ انطلاقتها الأولى في مكّة، كانت تحمل مشروعاً سياسيّاً، تكلل في إقامة الدولة بيثرب، فجزيرة العرب، إلى
امبراطورية عالمية في العهدين الأموي والعباسي.
وبيّـن السواعير أن مؤلف الكتاب كان شدد على أن العروبة السياسية والثقافية يجب ألّا تنطوي على عصبية عرقية أو دينية، ويجب أن تتحدد هويتها فقط بالسمات الثقافية واللغة والشراكة الوطنية والسياسية، وهو ما يميز دول العالم المتقدم اليوم. وفي موضوع الصراعات القبلية والعائلية، يجد البدور أنّ عليّ بن أبي طالب كان فارساً لا يشقّ له عنان وعالماً متبحراً في شؤون النبوّة المحمدية ومعاني رسالتها الأخلاقية والشعائرية، إلا أنّه لم يكن سياسيّاً بالمفهوم المتعارف عليه آنذاك، وقد خسره الإسلام من جانبه الفقهي التفسيري والاجتهادي التحديثي، وانسحب الأمر على أحفاده حين اتجهوا، على صورة شبه جماعية، إلى ميدان السياسة، بدلاً من العناية بالعقيدة وعلومها والاجتهاد في تطويرها وتكييفها على وفق متطلبات الزمن والمتغيرات الاجتماعية بهم وحدهم ومن يستعينون به كمرجعية دينية عالمية بشؤون الدين والإفتاء به.
وأضاف السواعير: يؤكّد البدور أنّ الروح القبلية هي التي أفرزت نظام الخلافة بمعنييه السياسي والديني، وأنّ إدغام الإيمان السماوي بالدولة السياسية، وشرعنة الغزو العسكري بتفسيرات دينية مقدّسة بعد قسمة الجغرافيا البشرية إلى دارين؛ دار إسلام ودار كفر، انتهى، بالسطوة العربية، أو الأعرابية بمعنى أدق، إلى خلط المقدّس السماوي بالمدنَّس الأرضي، فأشكل الحال والتبس المعنى والهدف، وعادت الجاهلية البدوية بسلاح سياسي ديني، يوظّف العقيدة في سبيل الغنيمة، بما تعنيه هذه الأخيرة من نهب الأموال وسبي النساء واستعباد الرجال. وفي باب «السيطرة العثمانية: يرى البدور أن العثمانيين قد حكموا على أنفسهم وعلى العرب معهم، بالعزلة والتقوقع الثقافي والعلمي عندما أوقفوا الاجتهاد على المستوى الديني الفقهي، فانعكس ذلك على التطوّر العام في جميع المجالات. وفي قراءته للمشهد السياسي العربي قبل الهيمنة الأوروبية وبعدها، يلفت إلى أنّ العقل العربي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، من حيث انطلاقه من عصبية قبلية انقسامية فاقدة للرؤية الوحدوية خارج حدود القبيلة الواحدة، إلّا في ظروف التحالفات المؤقتة، هو عقل ميّال للجمود والتقليد والنمطية، الأمر الذي جعله مهيأً لهيمنة عقل الآخر الأوروبي.-الدستور