اخرحوار صحفي أجراه الزميل الدكتور محمد أبو بكر مع المرحوم الدكتور كامل أبو جابر وزيرمع جريدة الغد 







-لم أصافح إسحق شامير ، والملك حسين خاطبني بالقول .. أنت
عفريت !

-بعض العرب يريدون رؤية الأردن ( أعرجا ) على قدم واحدة دون أي دور محوري في المنطقة .

-الملك المؤسس كان ( مديونا ) للطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان .

-الحسين كان يدخّن كثيرا ، وشرب أكثر من عشر كاسات شاي خلال ساعتين !

-قمّة الرباط إتخذت قرارا ( بتمييع ) القضية الفلسطينية لمئة سنة قادمة ...والحسين تعرض لضغوط كبيرة .

-السادات كان يفتقر للرؤية السياسية ويجهل الفكر الصهيوني ، ولا يملك الخبرة في التاريخ والجغرافيا .

-هذا ما جرى من نقاشات حادة في منزل ذوقان الهنداوي خلال حرب تشرين 1973.  
 القلعة نيوز: 
حينما نغوص في ذاكرة الوطن ، علينا أن نتسلح بكلِ أدوات الغوص ، وبكل ما هو متاح لنحفر في صخر الأحداث ، ونتجوَل بين صفحات كتب التاريخ ، ونسبر غور شخصيات كان لها الأثر الواضح والتأثير الجلي في مسيرة وطن واجه الكثير من الظروف والتقلبات على مدى عقود عديدة مضت . في ذاكرة الوطن الكثير مما يمكن قوله ، والحديث حوله ، من السياسي إلى الإقتصادي ، ولا بأس من الثقافي وكذلك الإجتماعي ، فالترابط بينها لا انفصام له ، وتاريخ الأردن الحديث حافل بالأحداث التي ربما باتت في غياهب النسيان ، لدى البعض ، ولكنها أحداث لا تموت ولا تفنى ، ولا بدً من العودة إليها ، لأن في الإعادة مزيد من الإفادة واستخلاص العبر والدروس ، وجدير بنا الوقوف على ذلك لندرك أن هذا الوطن ما كان يوما إلا مع أمته في كل الظروف ، وخاصة الحالكة منها ، وكان دائما وما زال موطنا لكلِ الشرفاء القابضين على جمر الحرية ونور الديمقراطية . مع شخصيات وأحداث ، سوف نكشف الكثير ، ونعمل على إستكشاف ما كان مستورا خلف حجاب ، إنه تاريخنا الذي صنعناه بأيدينا ، وربما شاركت الظروف في صنعه أيضا ، ونحن في الأردن لا يمكن لنا أن نكون
خارج التاريخ ، أو متفرجين فقط ، فكم من الرجال في هذا الوطن صنعوا تاريخا وأمجادا ، وباتوا منارات مضيئة في عالم يتَسع عاما بعد آخر . هي سلسلة حوارات نبتعد فيها عن التقليد ، نحاول أن نقدِم للقاريء مادة" غنية باستضافة العديد من الشخصيات الأردنية التي تولّت مواقع المسؤولية ، وخاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، وربما نحتاج لما بعد ذلك ، فلا يمكن لنا إلا ان نصل السنوات ببعضها البعض ، فهذا تاريخ ممتد ، لا يسعك أبدا أن تقف في محطة لها إتصال لما بعدها . في هذه الذاكرة ، ومع الشخصيات التي سنستضيف ، سنحاول إزالة الغبار عن ( ما لم يعلن ) بقدر جدِنا واجتهادنا .. والله الموفق .
د. محمد أبو بكر
 


    حينما نغوص في ذاكرة الوطن ، علينا أن نتسلح بكلِ أدوات الغوص ، وبكل ما هو متاح لنحفر في صخر الأحداث ، ونتجوَل بين صفحات كتب التاريخ ، ونسبر غور شخصيات كان لها الأثر الواضح والتأثير الجلي في مسيرة وطن واجه الكثير من الظروف والتقلبات على مدى عقود عديدة مضت . في ذاكرة الوطن الكثير مما يمكن قوله ، والحديث حوله ، من السياسي إلى الإقتصادي ، ولا بأس من الثقافي وكذلك الإجتماعي ، فالترابط بينها لا انفصام له ، وتاريخ الأردن الحديث حافل بالأحداث التي ربما باتت في غياهب النسيان ، لدى البعض ، ولكنها أحداث لا تموت ولا تفنى ، ولا بدً من العودة إليها ، لأن في الإعادة مزيد من الإفادة واستخلاص العبر والدروس ، وجدير بنا الوقوف على ذلك لندرك أن هذا الوطن ما كان يوما إلا مع أمته في كل الظروف ، وخاصة الحالكة منها ، وكان دائما وما زال موطنا لكلِ الشرفاء القابضين على جمر الحرية ونور الديمقراطية . مع شخصيات وأحداث ، سوف نكشف الكثير ، ونعمل على إستكشاف ما كان مستورا خلف حجاب ، إنه تاريخنا الذي صنعناه بأيدينا ، وربما شاركت الظروف في صنعه أيضا ، ونحن في الأردن لا يمكن لنا أن نكون
خارج التاريخ ، أو متفرجين فقط ، فكم من الرجال في هذا الوطن صنعوا تاريخا وأمجادا ، وباتوا منارات مضيئة في عالم يتَسع عاما بعد آخر . هي سلسلة حوارات نبتعد فيها عن التقليد ، نحاول أن نقدِم للقاريء مادة" غنية باستضافة العديد من الشخصيات الأردنية التي تولّت مواقع المسؤولية ، وخاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، وربما نحتاج لما بعد ذلك ، فلا يمكن لنا إلا ان نصل السنوات ببعضها البعض ، فهذا تاريخ ممتد ، لا يسعك أبدا أن تقف في محطة لها إتصال لما بعدها . في هذه الذاكرة ، ومع الشخصيات التي سنستضيف ، سنحاول إزالة الغبار عن ( ما لم يعلن ) بقدر جدِنا واجتهادنا .. والله الموفق .
د. محمد أبو بكر
الدكتور كامل أبو جابر وزير الخارجية الأسبق في حوار مع الغد :
عناوين
-لم أصافح إسحق شامير ، والملك حسين خاطبني بالقول .. أنت عفريت ! -بعض العرب يريدون رؤية الأردن ( أعرجا ) على قدم واحدة دون أي دور محوري في المنطقة .
-الملك المؤسس كان ( مديونا ) للطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان . -الحسين كان يدخّن كثيرا ، وشرب أكثر من عشر كاسات شاي خلال ساعتين ! -قمّة الرباط إتخذت قرارا ( بتمييع ) القضية الفلسطينية لمئة سنة قادمة ...والحسين تعرض لضغوط كبيرة . -السادات كان يفتقر للرؤية السياسية ويجهل الفكر الصهيوني ، ولا يملك الخبرة في التاريخ والجغرافيا . -هذا ما جرى من نقاشات حادة في منزل ذوقان الهنداوي خلال حرب تشرين 1973. -الإصرار الأمريكي الإسرائيلي على مفاوضات من شقين فيه خبث ودهاء لتمييع القضايا الهامة كالقدس واللاجئين والمياه .
عندما تجلس إليه وبرفقته شريكة العمر ورفيقة الدرب ، تشعر وكأنك في بيتك ، بساطة وتواضع وزهد في الحياة ، التي كانت حافلة وما زالت منذ المرحوم والده ( صالح ) فتغمرك مشاعر الإرتياح والسعادة والصفاء ، فهذا الشخص كان في يوم من الأيام محطّ أنظار الأردنيين والعالم أجمع ، عندما كان رئيسا للوفد الأردني الفلسطيني المشترك في مؤتمر مدريد للسلام 1991.
إنه الأستاذ الدكتور كامل أبو جابر وزير الخارجية الأسبق ، والعميد الأسبق لكلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية ، وأستاذ العلوم السياسية فيها ، الذي دأب على غسل الصحون ومارس أعمالا شاقة أثناء دراسته الجامعية في الولايات المتحدة ، حتى يتمكن من الإنفاق على دراسته ومعيشته ، لأن الوالد ماكان ليستطيع تدبير أمور ولده ، حيث كان رحمه الله يأمل من إبنه كامل عدم السفر والبقاء إلى جانبه ، لأن الدراسة والشهادات لا تطعم خبزا كما كان يعتقد ! في الحوار مع الدكتور أبو جابر توقفنا في العديد من المحطات التي تستحق الوقوف عندها ، منذ دخوله وزارة زيد الرفاعي الأولى 1973 مرورا بحرب تشرين في ذلك العام ، ومؤتمر قمة الرباط ، وزيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة وتوقيع إتفاقيات كامب دافيد وصولا إلى أيامنا هذه وما نحن فيه . الحوار إستغرق ساعات طويلة ، لم تكن كافية بحق ل (نبش) كل ما يدور في ذهنه وأذهاننا ، ولكن حاولنا قدر المستطاع أن نتطرق لكل ما هو هام في هذه المسيرة الممتدة لأكثر من خمسين عاما ، وخاصة حين أنيطت به مهمة رئاسة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك لمؤتمر مدريد للسلام ، وما تلا ذلك من أحداث كبيرة ، ما زالت آثارها ماثلة أمامنا ، كإتفاقيات أوسلو ( غزة-أريحا ) أولا وتوقيع إتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية 1994 وصولا لعهد الإدارة الأمريكية الحالية وقرارات ترامب التي اتخذها ، وما بين كل ذلك الغوص في شؤوننا المحلية ، وما يرشح بين الحين والآخر عمّا يسمى صفقة القرن . مع الدكتور أبو جابر كان هذا الحوار ..
الغد .. شاركت في أول حكومة للسيد زيد الرفاعي عام 1973 ، وبعد شهور وقعت حرب تشرين ، وبعد ذلك قدّمت إستقالتك ، كيف حدث ذلك ولماذا ؟ أبو جابر : كنت عميدا لكلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية ، وطلبني السيد زيد الرفاعي لأشارك في تلك الحكومة كوزير للإقتصاد ، ثم جاءت حرب تشرين ، حيث اندلعت المواجهات على الجبهتين السورية والمصرية ، وكان رأيي المشاركة فورا في الحرب ، وكان هناك بعض المعارضين لذلك ، وطلبت إجتماعا للحكومة لدراسة الموقف ، واستمرت إجتماعاتها مفتوحة وتعقد بصورة يومية ، وحضر الملك حسين رحمه الله كل إجتماعاتها ، حيث طلب منا التريث قليلا لرؤية وتقييم الموقف ، وبعد ذلك شاركنا في الحرب إلى جانب سوريا من خلال اللواء المدرع الأربعين الذي كان قائدا له خالد هجهوج المجالي . كان رأيي آنذاك أن هذه الحرب هي إستكمال لحرب حزيران التي خسرها العرب ، وكانت نكسة قاسية ،وفيها من الأخطاء التي لا يمكن حصرها ، فجاءت هذه الحرب التي رأينا أنها ربما تكون الفرصة الأخيرة لإعادة كرامة الأمة العربية ، ولأننا أيضا لا نريد ان يتساءل الناس في الأردن عن سبب عدم المشاركة ، ويجب هنا الإشارة إلى أن اللواء الأربعين كان على قدر المسؤولية وأبلى بلاء حسنا إلى جانب الأشقاء السوريين ، وبعد عودة جنودنا من الجبهة بعدة أشهر جاءني خالد هجهوج واحتضنني ، وقام بتقبيل رأسي قبلة لن أنساها ما حييت .
أما في موضوع أسباب الإستقالة ، فلم أكن أشعر بالراحة ، ووجدت أنه من الصب الإستمرار في الحكومة ، وكانت لدي رغبة في العودة إلى عملي السابق ، والذي أحبه ، وهو التدريس في الجامعة .
الغد : المرحوم ذوقان الهنداوي وجه دعوة لمجموعة من الشخصيات في منزله لتدارس موضوع الحرب ، وكان هناك نقاشات حادة بين الحضور ، ماذا جرى بالضبط ؟ أبو جابر :المرحوم ذوقان الهنداوي من أنظف الناس ، ويمتاز بالنزاهة والأخلاق العالية ، وفي ذلك اللقاء الذي جرى في بيته تدارسنا في شأن الحرب ، ودارت نقاشات وحوارات ساخنة وحادة بين الحضور ، فمنهم من كان يريد للأردن دخول الحرب إلى جانب الأشقاء في مصر وسوريا ، والبعض الآخر إعترض على ذلك بحجة ان الأردن إذا ما شارك فيها سيضيع البلد ،فخاطبت الحضور بالقول أن الأردن دائم الوقوف إلى جانب الأشقاء ، ولا يجوز التراجع وعدم المشاركة , وللأسف حاول البعض في ذلك اللقاء أن ( يسوق ) علينا بطوات زائفة ، ونحن ندرك أن الأردن ليس من طبعه التخلي عن واجباته تجاه العرب ، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بحرب بيننا وبين أعدائنا ؟ الغد : يبدو أن آراءك في ذلك الوقت أزعجت البعض ؟ أبو جابر : أنا إنسان عروبي ، ولا أجد نفسي إلا مع أمتي العربية في كل الظروف ، ويبدو أن مواقفي في ذلك الوقت أزعجت البعض فعلا، حتى أنه تم استثنائي من أي دعوات رسمية حتى العام 1990، ولكن
لا بأس ، في النهاية لا يصح إلا الصحيح ، وفي العمل السياسي عليك أن تكون صبورا إلى أبعد الحدود ، فالامور لا تسير كما تشتهي دائما ، فالعمل السياسي حقل ألغام عليك أن تكون حذرا جدا ، ولا يمكن له أن يسير في خط مستقيم نظرا للتقلبات والتطورات والتحالفات وما إلى ذلك .
الغد : في مؤتمر قمة الرباط 1974 إعترف الأردن بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني تحت ضغوط كبيرة من الدول العربية ، والملك حسين رحمه الله كان قد استجاب لذلك ووافق عليه على مضض ، وفي جناحه بمقر إقامته خاطب الصحفيين بالقول .. أن العرب اتخذوا قرارا " بتمييع " القضية الفلسطينية لأكثر من خمسة وعشرين عاما قادمة ، ما رأيك في ذلك ؟ أبو جابر : نعم صحيح ، القرار تم إتخاذه " بتمييع وتضييع " القضية ليس لخمسة وعشرين عاما بل لمئة عام ، فالملك حسين كان حانقا وغاضبا وتعرض لضغوط كبيرة في المؤتمر من الزعماء العرب ، فهو كان يدرك أن مثل هذا القرار في ذلك الوقت لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني ، ومن هنا يجب القول وبكل صراحة أن الأردن لا يمكن له أن يكون بعيدا عن فلسطين ، والعكس صحيح ، فتكاتف الطرفين مع بعضهما البعض يمنحهما قوة كاسحة وكبيرة يحسب لها ألف حساب ، ودعني أقول في هذا المقام أن الدولة الفلسطينية لا يمكن لها أن تقوم دون المساندة والدعم من الأردن لأسباب كثيرة ، فالعلاقة الأردنية الفلسطينية لا يمكن مقارنتها بعلاقة الفلسطينيين مع الدول الأخرى ، وهنا أستذكر مواقف الملك المؤسس
عبدالله الأول من القضية الفلسطينية ، وهو الذي أستشهد على باب المسجد الأقصى ، وعلى ذكره رحمه الله ، فإنني أستذكر مسأله هامة لا يعرفها الناس ، وهي أن الملك المؤسس مات وعليه بعض الديون لعدد من الشخصيات الأردنية مثل صبري الطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان وربما غيرهم ، ولكنه كان يمتلك شخصية قوية ، إستطاع رغم شح الإمكانيات ، من تأسيس هذا البلد . الغد : كيف تقرأ ضغوط العرب في ذلك الوقت ، هل كان هاجسهم فعلا مصلحة الشعب الفلسطيني ؟ أبو جابر : بعض العرب لا يريدون للأردن أن يكون له دور محوري في المنطقة ، فالأردن حفر هذا الدور بجهوده السياسية وحنكة قيادته ، وتشعر أحيانا أن هؤلاء يرغبون برؤية الأردن ( أعرجا ) على قدم واحدة ، إضافة للبعد الديني والشرعية الدينية الممتدة إلى آل البيت وللرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، هذا يغيظ البعض ، فشرعية النظام الملكي في الأردن لا مثيل لها ، وهذه حقيقة لا مجاملة فيها ، وبعضهم أيضا يريد للأردن فقط ان يبقى دولة عازلة بينهم وبين إسرائيل ، طبعا في ذلك الوقت ، لأن الأمور تغيرت بالنسبة لبعض الدول العربية والعلاقة مع إسرائيل وما يجري في الخفاء وحتى العلن . الغد : فاجأ الرئيس المصري الراحل أنور السادات الجميع بزيارة القدس مما شكّل صدمة للجميع ، كيف كان وقع ذلك ؟ أبو جابر : السادات لم يستشر أحدا أبدا قبل زيارته الشهيرة ، وهو معروف عنه ذلك ، حتى زوجته لم يكن ليستشيرها ، لقد أخذ القرار بمفرده ، لأنه كان يعتقد أن مابيننا وبين إسرائيل هو الحاجز النفسي
فقط ، وأنه بزيارته للقدس سيتمكن من إزالة هذا الحاجز ، وهذا خطأ كبير وافتقار للرؤيا السياسية ، وللأسف السادات كان لا يملك الخبرة الكافية لا في التاريخ ولا في الجغرافيا وكذلك موازين القوى ، إضافه لجهله بالفكر الصهيوني تماما . وبمناسبة الحديث عن تلك الزيارة ، للأسف الشديد فقد برع بعض العرب بالتآمر على بعضهم البعض ، وحقيقة ( ما في أشطر منّا ) كعرب في المؤامرات ، وهذا يدعو إلى المرارة والضيق ، لأننا وصلنا إلى مراحل باتت تصيبنا بالخجل الشديد من هذا الواقع الرديء الذي نعيش . الغد : صدر قرار فك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988 ، ما هو السبب في رأيك الذي دعا الأردن لاتخاذ مثل هذا القرار ؟ أبو جابر : قرار فك الإرتباط هو تأكيد على ما جرى في قمة الرباط 1974 ، ولا يمكن فصله عنه ، الملك حسين وافق على قرار الرباط على مضض ، وبعد كل هذه السنوات بات الأردن واعيا ومدركا بأن الظروف قد تغيرت ، ولا بد من وجود شخصية فلسطينية مستقلة تطالب بحقوقها ، وتقود المرحلة القادمة . الأمريكان والإسرائيليون لا يهمهم ولا يعنيهم الوجود الفلسطيني ، والأردن يعلم ذلك ، وبالتالي فإن قرار فك الإرتباط هو إصرار أردني على إبراز الشخصية الفلسطينية والمحافظة على الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين ، لأن السلاح الوحيد الآن في مواجهة إسرائيل هو السلاح السكاني ، والقرار كان موقفا سياسيا دون سند دستوري .
الغد : في صيف 1990 تم تشكيل مجموعة من الشخصيات الأردنية لتدارس إمكانية عقد مؤتمر للسلام ،حيث كانت المؤشرات الدولية توحي بذلك .، حدّثنا عن هذا الأمر . أبو جابر : إتصل بي هاتفيا الدكتور عبد الله النسور وكان وزيرا للخارجية وأبلغني النيّة بتشكيل لجنة تضم عددا من الوزراء وكبار المسؤولين وشخصيات مختلفة للإستعداد والتجهيز إذا ما تمت الدعوة لعقد مؤتمر للسلام ، ورحبت بالفكرة ،وتم بالفعل تشكيل اللجنة أو المجموعة برئاسة السيد طاهر المصري رئيس الوزراء في ذلك الوقت ، وفي هذه الأثناء تكثّفت زيارات وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر للمنطقة ، والتقيناه في عمان عدة مرات ، وكان واضحا ان هناك تفاهمات أمريكية اوروبية روسية في هذا الإتجاه ، وكنّا في لقاءاتنا نسأل دائما ما الذي نريده من مؤتمر كهذا ؟ وما الذي يريده الفلسطينيون والعرب ؟ طبعا ، مواقفنا في الأردن ثابتة ، ونعلم ما نريده ،وخاصة فيما يتعلق بالحدود والأمن والمياه والقدس واللاجئين وما إلى ذلك ، وكان التزامنا واضحا بقرارات الامم المتحدة ذات الصلة مثل القرار242 و 338 رغم عدم القناعة بهما ، والفلسطينيون أيضا كانوا يعرفون إتجاهاتهم ، والتنسيق والتواصل معهم كان مستمرا دون انقطاع .
الغد : بعد إستقالة الدكتور عبد الله النسور تسلّمت منصب وزير الخارجية ، وفي ظروف بالغة الدقّة والحساسية ، كيف جرى ذلك ؟
أبو جابر : الدكتور عبد الله النسور قدم إستقالته أثناء وجوده في نيو يورك , فما كان من السيد طاهر المصري إلا الإتصال بي طالبا مني الحضور إلى بيته الساعة الثانية بعد الظهر ، فأبلغني برغبة الملك حسين ورغبته هو بتولّي منصب وزير الخارجية ، فأجبته بارتياحي في عملي بالجامعة وليس لدي الرغبة للعودة
وجوده في نيو يورك , فما كان من السيد طاهر المصري إلا الإتصال بي طالبا مني الحضور إلى بيته الساعة الثانية بعد الظهر ، فأبلغني برغبة الملك حسين ورغبته هو بتولّي منصب وزير الخارجية ، فأجبته بارتياحي في عملي بالجامعة وليس لدي الرغبة للعودة إلى العمل الحكومي ،ولكنه كرر بأن هذه هي رغبة الملك ، فوافقت ، وذهبت إلى القصر الملكي ، وكان الحسين جالسا في غرفة الحرس ، فاستقبلني بحرارة وبوجهه البشوش ، ورافقته إلى الداخل وقمت بأداء القسم .
الغد : ومن هنا بدأت الرحلة نحو مؤتمر مدريد للسلام ، حدّثنا عن التطورات قبل عقده ، وكيف كانت الإجراءات التحضيرية له . أبو جابر : كما سبق كان هناك توافق أمريكي أوروبي روسي على عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط ، والولايات المتحدة بدأت بإجراء إتصالات مع الاطراف ذات العلاقة باستثناء الفلسطينيين ، حيث كان هناك رفض اسرائيلي لتشكيل وفد فلسطيني مستقل . وأصر الأمريكان على أن يضم كل وفد أربعة عشر شخصا ، ولا أعلم لماذا الإصرار على هذا الرقم ، والأردن كان رأيه بتشكيل وفد فلسطيني مستقل أسوة بالآخرين ، ولكن في النهاية إتفقنا على تشكيل وفد مشترك أردني فلسطيني وبشرط أن يضم الوفد الفلسطيني نفس عدد أعضاء الوفود الأخرى ، وكان هذا إصرار من الجانب الأردني وتم لنا ذلك.
تداولنا في الأمر أنا والسيد طاهر المصري ورئيس الديوان الملكي آنذاك الراحل الأمير زيد بن شاكر ، وقلت ان ما يجري اليوم هو حدث تاريخي نعيشه ، وعلينا أن نكون في قمة الإستعداد له ، وهنا يجدر القول بأننا لم نكن نعرف مكان انعقاد المؤتمر إلا قبل يومين فقط من إنعقاده ، وحينها علمنا أن العاصمة الإسبانية مدريد هي المكان الذي جرى إختياره لإستضافة أعماله . قبل الذهاب إلى المؤتمر تشرّفت بلقاء الملك حسين لأكثر من ساعتين ، كان في تلك اللحظات يدخّن كثيرا وشرب أكثر من عشر كاسات شاي ، تداولنا في موضوع المؤتمر ، وأعطى توجيهاته .
الغد : كيف تم إختيار أعضاء الوفد المشارك إلى مؤتمر مدريد ؟ أبو جابر : كنّا حريصين على تمثيل مشرّف ووجود شخصيات لديها الخبرة والكفاءة ، واقترحت إسم الدكتور عبد السلام المجالي والدكتور محمد عدنان البخيت ، وطلبت مشاركة ضابطين واحد من القوات المسلحة والآخر من المخابرات العامة ، فرافقنا المشير الراحل عبد الحافظ مرعي الكعابنة من القوات المسلحة وعبد الإله الكردي من المخابرات . ذهبنا والوفد الفلسطيني بطائرة واحدة ، حيث كان رئيس الوفد الفلسطيني طيب الذكر الدكتور حيدر عبد الشافي إضافة للدكتورة حنان عشراوي وصائب عريقات وغيرهم ، وحظينا باستقبال الملك حسين لنا ثم قام بوداعنا متوجهين إلى العاصمة الإسبانية .
الغد : في مدريد كنت رئيسا للوفد وبمواجهة رئيس وزراء إسرائيل اسحق شامير ، هل قمت بمصافحته ؟ وهل دار حديث بينكما ؟ صف لنا الأجواء في تلك اللحظات . أبو جابر : ما بيننا وبينهم حالة حرب ، وكيف لي ان أصافحه ؟ وجائني إتصال من الملك حسين ، وكان يضحك وقال لي .. أنت عفريت لأنني لم أصافح شامير ، وقلت له ياجلالة الملك عندما يقوم السلام بيننا وبينهم سوف أسلّم عليه وعلى غيره ! المؤتمر عقد في أحد القصور الرائعة في مدريد ، بناء مدهش جدا وغاية في الفخامة وبحضور وفود دولية رفيعة المستوى وعلى رأسهم الرئيس بوش الأب والرئيس الروسي غورباتشوف وزعماء آخرين ، وفي اليوم التالي كنّا على موعد مع عقد المؤتمر الصحفي ، واعتقدنا بوجود المئات من الصحفيين ووسائل الإعلام ، ولم نكن على علم بمكان إنعقاده ,، ففوجئنا بعقده في ملعب ( سنتياغو برنابيو ) وهو الملعب المخصص لفريق العاصمة ريال مدريد وبوجود ما يقارب ستة آلاف صحفي من كافة أرجاء العالم .
الغد : لماذا كان هناك إصرار أمريكي إسرائيلي عل مفاوضات من شقّين ، ثنائية ومتعددة الأطراف ؟ أبو جابر : هذا خبث ودهاء ,، والمقصود المماطلة والتمييع ، نعم كانوا خبثاء في ذلك لأن هناك قضايا هامة مثل القدس واللاجئين والمياه وحق العودة ، وعلينا أن ندرك دائما أن الإدارات الأمريكية
المتعاقبة سواء الديمقراطية أو الجمهورية هي دائمة الوقوف إلى جانب إسرائيل سواء كانت على حق أو على باطل وأحلاهما مرّ.
الجزء الثاني عناوين
-نعيش بحفلة تعرية على إمتداد مساحة الوطن العربي والعالم . -العلاقة الأردنية الفلسطينية ( زواج كاثوليكي ) لا طلاق فيه أبدا ! -إتفاقيات أوسلو نزلت على رؤوسنا كالصاعقة ، وأبو عمار كان يريد إقامة الدولة بأي وسيلة . -صفقة القرن بدأ تنفيذها بعد حرب 1967 وترامب يتعامل مع الجميع بأسلوب الزبائن والصفقات . -العجز العربي وانهيار الأمة أجبر عرفات على الموافقة على صيغة ( غزة – أريحا ) أولا . -المطالبة بحل السلطة الفلسطينية يعني استبدالها بإسرائيل والمزيد من التهويد والسيطرة والإستيلاء على الأرض. -على الدولة إنشاء حزبها الوسطي في ظل عدم وجود حياة حزبية حقيقية .
-على الجانب الأردني أن يكون حريصا في مناقشاته مع إسرائيل حول الباقورة والغمر ، والسجال القادم سيكون صعبا معهم.
الغد : إتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير والإسرائيليين ماذا عنها ؟ هل كان الأردن على علم بما يجري في العاصمة النرويجية ؟ أبو جابر: لم نكن على علم أبدا بما يجري هناك ، الموضوع نزل على رؤوسنا كالصاعقة ، علما بأن المشاورات بيننا والأخوة الفلسطينيين لم تنقطع أبدا ، لقد كانت مفاجأة مدويّة بالنسبة للأردن,، فكيف لهم أن يوافقوا على صيغة ( غزة – أريحا ) أولا ؟ وعاتبت الأخوة الفلسطينيين عن سبب عدم إبلاغنا بما
جرى من مفاوضات سريّة ، وسألني المرحوم الأمير زيد بن شاكر ماذا عسانا أن نفعل ؟ وما هو ردّ فعل الأردن ؟ فأجبته بأننا سنقوم بإبلاغ الجانب الفلسطيني هذا العتب ، ولماذا لم تتم إستشارة الأردن ؟ ولكن وصلنا إلى نتيجة مفادها أنهم هم الذين إختاروا ذلك ، ولا بد من دعمهم والوقوف إلى جانبهم ، فنحن في الأردن لا نريد إضعاف الموقف الفلسطيني من خلال الشجب والإستنكار كما فعلت بعض العواصم العربية البعيدة أصلا عن الهم والوجع الفلسطيني .
الغد : هذا يقودنا إلى سؤال .. بماذا كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يفكّر عندما وافق على صيغة أوسلو ؟ أبو جابر : بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان صيف عام 1982 عانى الفلسطينيون كثيرا بعد ان تشتتوا بين عدد من البلدان العربية ، وأبو عمار باعتقادي كان يريد أي قطعة أرض داخل فلسطين ، ولو مترا مربعا واحدا ، ليقيم عليها الدولة ، وبعدها لكل حادث حديث ، والفلسطيني لديه القدرة على التفاهم مع الآخرين ، حتى لو كانوا الإسرائيليين أنفسهم ، هكذا كان يعتقد ياسر عرفات ، إضافة لاعتقاده بأن إسترجاع الضفة الغربية سيتم بالتدريج ، ولذلك وافق على صيغة أوسلو ، وفوق كل ذلك فإن العجز العربي أجبر عرفات على السير في هذا الطريق ، فالعجز والإنهيار للأمة العربية بدأ منذ نكسة 1967 وهو الذي قاد إلى مدريد ، وعلينا أن نكون منصفين في ذلك ، ولا نظلم لا ياسر عرفات ولا أي مسؤول فلسطيني ‘ ، فعرفات رجل دولة وسياسي ومجاهد ، والفلسطينيون حتى هذه اللحظة وإلى يوم القيامة متمسكون بمبادئهم وصامدون على أرضهم رغم بطش الإحتلال وجرائمه اليومية واستفزازاته وعمليات الإستيلاء اليومية على الأرض وزرع المستوطنات .
الغد : هل يمكن القول أن أوسلو كانت خطيئة ؟ أبو جابر : كان هناك إجماع بين الدول الأربع المشاركة في مدريد ( الأردن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ) بضرورة السير سويا كأسنان المشط ، حتى لا يتم الإستفراد بنا دولة دولة ، ثم جاءت إتفاقيات أوسلو التي كسرت هذا الإجماع ، لقد كانت في غير محلها ، ولكن
ظروف العرب السيئة قادت إلى ذلك ، وعلينا أن لا نحمّل الفلسطينيين أكثر من ذلك ، وكان الله في عونهم في ظل هذا التخاذل العربي والخنوع المستغرب .
الغد : كيف تنظر إلى العلاقة الأردنية الفلسطينية في ظل هذه الظروف الشائكة ، وهذه الأوضاع التي تمرّ بها الأمة العربية والتي لا تسرّ أبدا وتبعث على الأسى والحسرة ؟ أبو جابر : العلاقة الأردنية الفلسطينية ( زواج كاثوليكي ) لا طلاق فيه أبدا ، شئنا أم أبينا ، والتاريخ والجغرافيا والعلاقات الإجتماعية والترابط العائلي تفرض علينا هذا الواقع ، فالأردن وفلسطين قوة تستحق الإعجاب ، والوحدة بين الطرفين حتمية ، ولكن المهم المحافظة على الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين ، لأن وجودهم هناك هو السلاح المتبقي ولا شيء غيره .
الغد : ماذا تقول للأصوات التي تنادي بحلّ السلطة الوطنية الفلسطينية في هذه الأوقات ؟ أبو جابر : وما هو البديل لو جرى حل السلطة ؟ البديل موجود ، إسرائيل والمزيد من البطش والإستيلاء على الأرض والتهويد ومحاولات التهجير ، من الجنون المطالبة بحل السلطة ، وأنا أعرف غالبية القادة الفلسطينيين ، هم شخصيات محترمة ، ولديهم إجتهادات ، ولا يمكن لهم التفريط بحقوق شعبهم ، إلا أن الظروف اليوم لا تخدمهم .
ثم كيف لهؤلاء المطالبة بحل السلطة في وقت نعيش فيه بحفلة تعرية على إمتداد مساحة الوطن العربي والعالم ؟ فلا جيوش مساندة ، والدعم العربي في أدنى مستوياته ، فقط الأردن هو الوحيد الذي يتصدى إلى جانب الفلسطينيين رغم إمكانياتنا وقدراتنا المحدودة . الغد : فلنتحدث عمّا يسمى ( صفقة القرن ) وكيف ترى أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع القضية الفلسطينية ومع العرب عموما ؟ أبو جابر: وهل هذه الصفقة وليدة اللحظة ؟ لقد بدأ تنفيذها منذ العام 1967 بعد الإنهيار العسكري للدول العربية ، وذهاب السادات إلى القدس ، وفي واقع الأمر الصفقة بدأها ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها ، وقطع التمويل عن وكالة الغوث ، وتحديد عدد اللاجئين بخمسة وأربعين ألفا وغير ذلك ، وكل ذلك بالطبع يصب في مصلحة إسرائيل . ترامب رجل تجارة ، ويتعامل مع الجميع بأسلوب الزبائن والصفقات ، هذه هي عقليته ، ولكن كل ما قام به ترامب لا قيمة له ، خاصة في موضوع القدس ، فغالبية دول العالم رفضت القرار ، وفي الجمعية العامة صوتت 128 دولة ضده ، وكل ما اتخذه ترامب لم يغيّر شيئا بالنسبة للفلسطينيين ، ولكن بتنا مؤخرا نلاحظ تراجعا في مواقفه وبات يتحدث عن حل الدولتين ، وبعد سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الأمريكي مؤخرا سنرى الكثير من تبدّل المواقف والحد من مغامرات ترامب غير المحسوبة سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو من حيث تعامل الولايات المتحدة مع الدول الأخرى .
وبالنسبة للعرب ، ماذا لدينا ؟لا نملك شيئا غير الجانب القانوني والتوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، نحن الطرف الأضعف في المعادلة ، ترامب يحاول إلغاء مصطلح ( لاجيء) هذا لن يكون أبدا ، ولن يوافق عليه أحد ، أوروبا ستقف في وجهه قبل الآخرين ، ولكن للأسف بعض الأنظمة العربية تمارس ضغوطا كبيرة على السلطة الفلسطينية إستجابة لرغبات أمريكية وإسرائيلية ، وبالمحصلة الأردن وفلسطين في خندق واحد لمواجهة كل المؤامرات التي تحاك ضد قضية هذا الشعب ، والفلسطينيون يدركون تماما بأن الأردن بات الدولة الوحيدة التي ما تراجعت قيد أنملة عن دعمها ومساندتها لكل ما يختاره الفلسطينيون ، ودفاعا عن الأرض والمقدسات .
الغد : كيف ترى مستقبل سوريا ، والعلاقة القادمة معها بعد ما جرى خلال السنوات الماضية ، وهل أنت متفائل في هذا الإتجاه ؟ أبو جابر : أنا متأكد من عودة سوريا كدولة واحدة موحدة ، رغم أن الأعداء كانوا يريدون لها ان تتحول إلى دويلات ، وتفتيتها وتقسيمها ، وكل ذلك طبعا يخدم المصالح الإسرائيلية ، وخاصة فيما يتعلق بضم الجولان نهائيا إلى إسرائيل ، حينذاك لن تجد أحدا يطالب بهذه المرتفعات الإستراتيجية ، فالجولان منطقة عسكرية لا مثيل لها ، فهي مشرفة ومسيطرة ، وكذلك هي منطقة زراعية من الدرجة الأولى ، ومصدر مهم للمياه ، وإسرائيل لا تريد رؤية دولة عربية قوية ، حتى تبقى هي القوة الوحيدة المهيمنة في المنطقة .
وبصورة عامة ،أنا متفائل بعودة سوريا إلى سابق عهدها بغض النظر عن النظام ، نحن نريد سوريا قوية وموحدة ، وبعلاقات أخوية وثيقة نظرا لطبيعة ما يربط بين الشعبين الأردني والسوري .
الغد : لنتجه إلى الشأن الأردني الداخلي ، بعد عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 والسماح للأحزاب بالعمل ، كيف ترى واقع الأحزاب السياسية بعد كل هذه السنوات ، وماذا ترى في الأفق ؟ أبو جابر: لا توجد أحزاب فاعلة وحقيقية في الأردن ، بعد ما يقارب الثلاثين عاما على عودة الحياة الديمقراطية ، فالأحزاب لم تستطع إثبات نفسها ، أو لديها القدرة على تشكيل قواعد شعبية لها ، إضافة إلى عجزها عن التواصل مع المواطنين الذين تغيّرت إهتماماتهم كثيرا نتيجة للظروف الإقتصادية التي يعيشها ، فلم يعد يعنيه الشأن السياسي كثيرا بقدر إهتمامه بمعيشته وتعليم أبنائه وضريبة الدخل وطعامه ومسكنه وما إلى ذلك . الأحزاب بصورة عامة فشلت في التصدي لمشاكل المواطنين ، وبصورة عامة من الصعب قيام أحزاب بعيدة عن قضايا الناس ، ليس فقط في الأردن ، وإنما في العالم العربي ، فنحن نختلف عن أوروبا فيما يتعلق بوجود الأحزاب ، هناك إهتمام واضح بكل قضايا ومشاكل المواطنين ، من حريته الشخصية إلى مستوى معيشته عدا عن مراقبة سياسات الحكومات في تلك الدول .
الغد : ولكن الدولة تقدّم دعما ماليا للأحزاب ، وتقوم برعايتها والإهتمام بها ، ودائما هناك دعوات للإنضمام إليها ! أبو جابر : عندما أمنحك مالا فأنت موظف عندي ، وحتى هذا المال ماذا صنع للعمل الحزبي ؟ لا شيء ، بل هناك تراجع واضح في المسيرة الحزبية ، على الحزب أن يكون نابعا من ذات المجتمع وحاجياته ، السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، ومن الصعب أن نقارن أحزابنا بما هو في الغرب ، إضافة لذلك فنحن بحاجة إلى حزب وسطي كبير ، ولماذا لا يكون للدولة مثل هذا الحزب ؟ بحيث يعيش حياة الناس ويتجاوب مع متطلباتهم ، ومن يقول أن هناك إعاقة للعمل الحزبي فهذا قول غير دقيق ، ولكن لابد من صياغة قوانين جديدة ناظمة للعمل السياسي تتيح للأحزاب إيصال مرشيحها للسلطة التشريعية . وعلينا الإعتراف بأن روابط الأسر والعائلات المنتشرة على إمتداد الوطن قد حلّت محل العمل الحزبي ، وفي رأيي هذا تراجع للوراء .
الغد : مؤخرا ، الأردن أبلغ الجانب الإسرائيلي بإلغاء العمل بملحقي الباقورة والغمر ، هل إنتهى الأمر هنا ، أم أننا سنشهد خلال الفترة القادمة تطورات في هذا الموضوع ؟ أبو جابر: هذه هي البداية ، الأردن أبلغ الجانب الإسرائيلي قبل إنتهاء الوقت المحدد ، وبالتالي عودة الباقورة والغمر لحضن الوطن بعد عام من الآن ، ولكن أمامنا رحلة شاقة من المناقشات مع الجانب الإسرائيلي طيلة عام كامل ، المسألة ليست مفاوضات على إعادتهما
للأردن ، لأن إتفاقية السلام واضحة في هذا الإتجاه ،ولكن على الجانب الأردني أن يكون حريصا في مناقشاته مع الإسرائيليين ، والعمل على إختيار خبراء على مستوى عال من الكفاءة في العديد من المجالات لمشاركة الوفد الأردني الذي سيخوض سجالا قد يكون صعبا مع الجانب الإسرائيلي , نحن بحاجة إلى خبراء في المساحة والحدود والمياه والجغرافيا والتاريخ ومعرفة الكيفية التي جرى فيها شراء الأرض ، إذا كان ذلك صحيحا ، نحن سنكون بحاجة أيضا لخبراء في موضوع السيادة والقانون الدولي .
الغد : كيف ترى المفاوض الأردني في مثل هذه القضايا ، وهل أنت متفائل بإنهاء المسألة دون عقبات ؟ أبو جابر: لا خوف على المفاوض الأردني ، هو يحفظ درسه جيدا ، ولدينا خبرة طويلة الأمد في ذلك ، وخاصة مع الإسرائيليين ، وبنهاية المطاف الأمور تسير في الإتجاه الصحيح ، وعندما أعلن جلالة الملك عبدالله الثاني إلغاء العمل بالملحقين كان ذلك متوقعا ،واستجابة لرغبة الشارع الأردني ، ولا ننسى أن الملك هو جزء من هذا الشعب ولا يمكن له إتخاذ قرار يتعارض مع رغبات شعبه .
الغد : كيف قرأت موقف القادة الإسرائيليين بعد القرار الأردني ؟
أبو جابر: القرار الأردني كان مفاجئا للبعض ، وكان هناك حنق وغضب من اليمين المتطرف ، ولكن رئيس الحكومة نتنياهو أقرّ بالسيادة الأردنية على المنطقتين ، حيث ذكر نتنياهو ان من مصلحة الأردن واسرائيل إستمرار معاهدة السلام بينهما ، والأهم من كل ذلك أن جلالة الملك أكّد موضوع السيادة الأردنية على الباقورة والغمر ، وهو ما بعث الإرتياح الكبير لدى الشعب الأردني بأجمعه .
كامل أبو جابر في سطور
مواليد اليادودة جنوب عمان عام 1932 أنهى المرحلة الثانوية في مدرسة المطران بعمان سنة 1951 متزوج منذ العام 1957 ورفيقة دربه مازالت إلى جانبه – أطال الله في عمرهما . والدته من إحدى العائلات الكريمة من مدينة الرملة الفلسطينية المحتلة سافر شقيقه فايز إلى الولايات المتحدة 1949 ، ثم لحقه شقيقه كامل للدراسة ، وهو خريج جامعة ( سراكيوز).
عمل أثناء دراسته كسائق تاكسي وجرسونا في المطاعم وعاملا في مستشفى حتى يتمكّن من تدبير أمور دراسته ومعيشته.
بعد أن أنهى مرحلة البكالوريوس في السياسة ، إنتسب لجامعة ( برنستون) ونال منها شهادة العلوم الشرقية . تولّى عمادة كلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية عام 1971 وأستاذا للعلوم السياسية . وزيرا للأقتصاد في حكومة السيد زيد الرفاعي الأولى عام 1973 وزيرا للخارجية في حكومة السيد طاهر المصري 1991 .
شرح الصور المرفق ": صورة رقم1 أبو جابر وعقيلته في لقاء مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني. صورة رقم 2 مع السيدة سونيا غاندي في الهند
الدكتور كامل أبو جابر وزير الخارجية الأسبق في حوار مع الغد :
عناوين
-لم أصافح إسحق شامير ، والملك حسين خاطبني بالقول .. أنت عفريت ! -بعض العرب يريدون رؤية الأردن ( أعرجا ) على قدم واحدة دون أي دور محوري في المنطقة . -الملك المؤسس كان ( مديونا ) للطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان . -الحسين كان يدخّن كثيرا ، وشرب أكثر من عشر كاسات شاي خلال ساعتين ! -قمّة الرباط إتخذت قرارا ( بتمييع ) القضية الفلسطينية لمئة سنة قادمة ...والحسين تعرض لضغوط كبيرة . -السادات كان يفتقر للرؤية السياسية ويجهل الفكر الصهيوني ، ولا يملك الخبرة في التاريخ والجغرافيا . -هذا ما جرى من نقاشات حادة في منزل ذوقان الهنداوي خلال حرب تشرين 1973. -الإصرار الأمريكي الإسرائيلي على مفاوضات من شقين فيه خبث ودهاء لتمييع القضايا الهامة كالقدس واللاجئين والمياه .
عندما تجلس إليه وبرفقته شريكة العمر ورفيقة الدرب ، تشعر وكأنك في بيتك ، بساطة وتواضع وزهد في الحياة ، التي كانت حافلة وما
زالت منذ المرحوم والده ( صالح ) فتغمرك مشاعر الإرتياح والسعادة والصفاء ، فهذا الشخص كان في يوم من الأيام محطّ أنظار الأردنيين والعالم أجمع ، عندما كان رئيسا للوفد الأردني الفلسطيني المشترك في مؤتمر مدريد للسلام 1991. إنه الأستاذ الدكتور كامل أبو جابر وزير الخارجية الأسبق ، والعميد الأسبق لكلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية ، وأستاذ العلوم السياسية فيها ، الذي دأب على غسل الصحون ومارس أعمالا شاقة أثناء دراسته الجامعية في الولايات المتحدة ، حتى يتمكن من الإنفاق على دراسته ومعيشته ، لأن الوالد ماكان ليستطيع تدبير أمور ولده ، حيث كان رحمه الله يأمل من إبنه كامل عدم السفر والبقاء إلى جانبه ، لأن الدراسة والشهادات لا تطعم خبزا كما كان يعتقد ! في الحوار مع الدكتور أبو جابر توقفنا في العديد من المحطات التي تستحق الوقوف عندها ، منذ دخوله وزارة زيد الرفاعي الأولى 1973 مرورا بحرب تشرين في ذلك العام ، ومؤتمر قمة الرباط ، وزيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة وتوقيع إتفاقيات كامب دافيد وصولا إلى أيامنا هذه وما نحن فيه . الحوار إستغرق ساعات طويلة ، لم تكن كافية بحق ل (نبش) كل ما يدور في ذهنه وأذهاننا ، ولكن حاولنا قدر المستطاع أن نتطرق لكل ما هو هام في هذه المسيرة الممتدة لأكثر من خمسين عاما ، وخاصة حين أنيطت به مهمة رئاسة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك لمؤتمر مدريد للسلام ، وما تلا ذلك من أحداث كبيرة ، ما زالت آثارها ماثلة أمامنا ، كإتفاقيات أوسلو ( غزة-أريحا ) أولا وتوقيع
إتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية 1994 وصولا لعهد الإدارة الأمريكية الحالية وقرارات ترامب التي اتخذها ، وما بين كل ذلك الغوص في شؤوننا المحلية ، وما يرشح بين الحين والآخر عمّا يسمى صفقة القرن . مع الدكتور أبو جابر كان هذا الحوار .. الغد .. شاركت في أول حكومة للسيد زيد الرفاعي عام 1973 ، وبعد شهور وقعت حرب تشرين ، وبعد ذلك قدّمت إستقالتك ، كيف حدث ذلك ولماذا ؟ أبو جابر : كنت عميدا لكلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية ، وطلبني السيد زيد الرفاعي لأشارك في تلك الحكومة كوزير للإقتصاد ، ثم جاءت حرب تشرين ، حيث اندلعت المواجهات على الجبهتين السورية والمصرية ، وكان رأيي المشاركة فورا في الحرب ، وكان هناك بعض المعارضين لذلك ، وطلبت إجتماعا للحكومة لدراسة الموقف ، واستمرت إجتماعاتها مفتوحة وتعقد بصورة يومية ، وحضر الملك حسين رحمه الله كل إجتماعاتها ، حيث طلب منا التريث قليلا لرؤية وتقييم الموقف ، وبعد ذلك شاركنا في الحرب إلى جانب سوريا من خلال اللواء المدرع الأربعين الذي كان قائدا له خالد هجهوج المجالي . كان رأيي آنذاك أن هذه الحرب هي إستكمال لحرب حزيران التي خسرها العرب ، وكانت نكسة قاسية ،وفيها من الأخطاء التي لا يمكن حصرها ، فجاءت هذه الحرب التي رأينا أنها ربما تكون الفرصة الأخيرة لإعادة كرامة الأمة العربية ، ولأننا أيضا لا نريد ان يتساءل
الناس في الأردن عن سبب عدم المشاركة ، ويجب هنا الإشارة إلى أن اللواء الأربعين كان على قدر المسؤولية وأبلى بلاء حسنا إلى جانب الأشقاء السوريين ، وبعد عودة جنودنا من الجبهة بعدة أشهر جاءني خالد هجهوج واحتضنني ، وقام بتقبيل رأسي قبلة لن أنساها ما حييت . أما في موضوع أسباب الإستقالة ، فلم أكن أشعر بالراحة ، ووجدت أنه من الصب الإستمرار في الحكومة ، وكانت لدي رغبة في العودة إلى عملي السابق ، والذي أحبه ، وهو التدريس في الجامعة .
الغد : المرحوم ذوقان الهنداوي وجه دعوة لمجموعة من الشخصيات في منزله لتدارس موضوع الحرب ، وكان هناك نقاشات حادة بين الحضور ، ماذا جرى بالضبط ؟ أبو جابر :المرحوم ذوقان الهنداوي من أنظف الناس ، ويمتاز بالنزاهة والأخلاق العالية ، وفي ذلك اللقاء الذي جرى في بيته تدارسنا في شأن الحرب ، ودارت نقاشات وحوارات ساخنة وحادة بين الحضور ، فمنهم من كان يريد للأردن دخول الحرب إلى جانب الأشقاء في مصر وسوريا ، والبعض الآخر إعترض على ذلك بحجة ان الأردن إذا ما شارك فيها سيضيع البلد ،فخاطبت الحضور بالقول أن الأردن دائم الوقوف إلى جانب الأشقاء ، ولا يجوز التراجع وعدم المشاركة , وللأسف حاول البعض في ذلك اللقاء أن ( يسوق ) علينا بطوات زائفة ، ونحن ندرك أن الأردن ليس من طبعه التخلي عن واجباته تجاه العرب ، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بحرب بيننا وبين أعدائنا ؟
الغد : يبدو أن آراءك في ذلك الوقت أزعجت البعض ؟ أبو جابر : أنا إنسان عروبي ، ولا أجد نفسي إلا مع أمتي العربية في كل الظروف ، ويبدو أن مواقفي في ذلك الوقت أزعجت البعض فعلا، حتى أنه تم استثنائي من أي دعوات رسمية حتى العام 1990، ولكن لا بأس ، في النهاية لا يصح إلا الصحيح ، وفي العمل السياسي عليك أن تكون صبورا إلى أبعد الحدود ، فالامور لا تسير كما تشتهي دائما ، فالعمل السياسي حقل ألغام عليك أن تكون حذرا جدا ، ولا يمكن له أن يسير في خط مستقيم نظرا للتقلبات والتطورات والتحالفات وما إلى ذلك .
الغد : في مؤتمر قمة الرباط 1974 إعترف الأردن بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني تحت ضغوط كبيرة من الدول العربية ، والملك حسين رحمه الله كان قد استجاب لذلك ووافق عليه على مضض ، وفي جناحه بمقر إقامته خاطب الصحفيين بالقول .. أن العرب اتخذوا قرارا " بتمييع " القضية الفلسطينية لأكثر من خمسة وعشرين عاما قادمة ، ما رأيك في ذلك ؟ أبو جابر : نعم صحيح ، القرار تم إتخاذه " بتمييع وتضييع " القضية ليس لخمسة وعشرين عاما بل لمئة عام ، فالملك حسين كان حانقا وغاضبا وتعرض لضغوط كبيرة في المؤتمر من الزعماء العرب ، فهو كان يدرك أن مثل هذا القرار في ذلك الوقت لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني ، ومن هنا يجب القول وبكل صراحة أن الأردن لا يمكن له أن يكون بعيدا عن فلسطين ، والعكس صحيح ، فتكاتف الطرفين مع بعضهما البعض يمنحهما قوة كاسحة
وكبيرة يحسب لها ألف حساب ، ودعني أقول في هذا المقام أن الدولة الفلسطينية لا يمكن لها أن تقوم دون المساندة والدعم من الأردن لأسباب كثيرة ، فالعلاقة الأردنية الفلسطينية لا يمكن مقارنتها بعلاقة الفلسطينيين مع الدول الأخرى ، وهنا أستذكر مواقف الملك المؤسس عبدالله الأول من القضية الفلسطينية ، وهو الذي أستشهد على باب المسجد الأقصى ، وعلى ذكره رحمه الله ، فإنني أستذكر مسأله هامة لا يعرفها الناس ، وهي أن الملك المؤسس مات وعليه بعض الديون لعدد من الشخصيات الأردنية مثل صبري الطباع وأبو قاعود والحاج حسن وأبو حسان وربما غيرهم ، ولكنه كان يمتلك شخصية قوية ، إستطاع رغم شح الإمكانيات ، من تأسيس هذا البلد . الغد : كيف تقرأ ضغوط العرب في ذلك الوقت ، هل كان هاجسهم فعلا مصلحة الشعب الفلسطيني ؟ أبو جابر : بعض العرب لا يريدون للأردن أن يكون له دور محوري في المنطقة ، فالأردن حفر هذا الدور بجهوده السياسية وحنكة قيادته ، وتشعر أحيانا أن هؤلاء يرغبون برؤية الأردن ( أعرجا ) على قدم واحدة ، إضافة للبعد الديني والشرعية الدينية الممتدة إلى آل البيت وللرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، هذا يغيظ البعض ، فشرعية النظام الملكي في الأردن لا مثيل لها ، وهذه حقيقة لا مجاملة فيها ، وبعضهم أيضا يريد للأردن فقط ان يبقى دولة عازلة بينهم وبين إسرائيل ، طبعا في ذلك الوقت ، لأن الأمور تغيرت بالنسبة لبعض الدول العربية والعلاقة مع إسرائيل وما يجري في الخفاء وحتى العلن .
الغد : فاجأ الرئيس المصري الراحل أنور السادات الجميع بزيارة القدس مما شكّل صدمة للجميع ، كيف كان وقع ذلك ؟ أبو جابر : السادات لم يستشر أحدا أبدا قبل زيارته الشهيرة ، وهو معروف عنه ذلك ، حتى زوجته لم يكن ليستشيرها ، لقد أخذ القرار بمفرده ، لأنه كان يعتقد أن مابيننا وبين إسرائيل هو الحاجز النفسي فقط ، وأنه بزيارته للقدس سيتمكن من إزالة هذا الحاجز ، وهذا خطأ كبير وافتقار للرؤيا السياسية ، وللأسف السادات كان لا يملك الخبرة الكافية لا في التاريخ ولا في الجغرافيا وكذلك موازين القوى ، إضافه لجهله بالفكر الصهيوني تماما . وبمناسبة الحديث عن تلك الزيارة ، للأسف الشديد فقد برع بعض العرب بالتآمر على بعضهم البعض ، وحقيقة ( ما في أشطر منّا ) كعرب في المؤامرات ، وهذا يدعو إلى المرارة والضيق ، لأننا وصلنا إلى مراحل باتت تصيبنا بالخجل الشديد من هذا الواقع الرديء الذي نعيش . الغد : صدر قرار فك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988 ، ما هو السبب في رأيك الذي دعا الأردن لاتخاذ مثل هذا القرار ؟ أبو جابر : قرار فك الإرتباط هو تأكيد على ما جرى في قمة الرباط 1974 ، ولا يمكن فصله عنه ، الملك حسين وافق على قرار الرباط على مضض ، وبعد كل هذه السنوات بات الأردن واعيا ومدركا بأن الظروف قد تغيرت ، ولا بد من وجود شخصية فلسطينية مستقلة تطالب بحقوقها ، وتقود المرحلة القادمة .
الأمريكان والإسرائيليون لا يهمهم ولا يعنيهم الوجود الفلسطيني ، والأردن يعلم ذلك ، وبالتالي فإن قرار فك الإرتباط هو إصرار أردني على إبراز الشخصية الفلسطينية والمحافظة على الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين ، لأن السلاح الوحيد الآن في مواجهة إسرائيل هو السلاح السكاني ، والقرار كان موقفا سياسيا دون سند دستوري .
الغد : في صيف 1990 تم تشكيل مجموعة من الشخصيات الأردنية لتدارس إمكانية عقد مؤتمر للسلام ،حيث كانت المؤشرات الدولية توحي بذلك .، حدّثنا عن هذا الأمر . أبو جابر : إتصل بي هاتفيا الدكتور عبد الله النسور وكان وزيرا للخارجية وأبلغني النيّة بتشكيل لجنة تضم عددا من الوزراء وكبار المسؤولين وشخصيات مختلفة للإستعداد والتجهيز إذا ما تمت الدعوة لعقد مؤتمر للسلام ، ورحبت بالفكرة ،وتم بالفعل تشكيل اللجنة أو المجموعة برئاسة السيد طاهر المصري رئيس الوزراء في ذلك الوقت ، وفي هذه الأثناء تكثّفت زيارات وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر للمنطقة ، والتقيناه في عمان عدة مرات ، وكان واضحا ان هناك تفاهمات أمريكية اوروبية روسية في هذا الإتجاه ، وكنّا في لقاءاتنا نسأل دائما ما الذي نريده من مؤتمر كهذا ؟ وما الذي يريده الفلسطينيون والعرب ؟ طبعا ، مواقفنا في الأردن ثابتة ، ونعلم ما نريده ،وخاصة فيما يتعلق بالحدود والأمن والمياه والقدس واللاجئين وما إلى ذلك ، وكان التزامنا واضحا بقرارات الامم المتحدة ذات الصلة مثل القرار242 و
338 رغم عدم القناعة بهما ، والفلسطينيون أيضا كانوا يعرفون إتجاهاتهم ، والتنسيق والتواصل معهم كان مستمرا دون انقطاع .
الغد : بعد إستقالة الدكتور عبد الله النسور تسلّمت منصب وزير الخارجية ، وفي ظروف بالغة الدقّة والحساسية ، كيف جرى ذلك ؟ أبو جابر : الدكتور عبد الله النسور قدم إستقالته أثناء وجوده في نيو يورك , فما كان من السيد طاهر المصري إلا الإتصال بي طالبا مني الحضور إلى بيته الساعة الثانية بعد الظهر ، فأبلغني برغبة الملك حسين ورغبته هو بتولّي منصب وزير الخارجية ، فأجبته بارتياحي في عملي بالجامعة وليس لدي الرغبة للعودة إلى العمل الحكومي ،ولكنه كرر بأن هذه هي رغبة الملك ، فوافقت ، وذهبت إلى القصر الملكي ، وكان الحسين جالسا في غرفة الحرس ، فاستقبلني بحرارة وبوجهه البشوش ، ورافقته إلى الداخل وقمت بأداء القسم .
الغد : ومن هنا بدأت الرحلة نحو مؤتمر مدريد للسلام ، حدّثنا عن التطورات قبل عقده ، وكيف كانت الإجراءات التحضيرية له . أبو جابر : كما سبق كان هناك توافق أمريكي أوروبي روسي على عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط ، والولايات المتحدة بدأت بإجراء إتصالات مع الاطراف ذات العلاقة باستثناء الفلسطينيين ، حيث كان هناك رفض اسرائيلي لتشكيل وفد فلسطيني مستقل . وأصر الأمريكان على أن يضم كل وفد أربعة عشر شخصا ، ولا أعلم لماذا الإصرار على هذا الرقم ، والأردن كان رأيه بتشكيل وفد
فلسطيني مستقل أسوة بالآخرين ، ولكن في النهاية إتفقنا على تشكيل وفد مشترك أردني فلسطيني وبشرط أن يضم الوفد الفلسطيني نفس عدد أعضاء الوفود الأخرى ، وكان هذا إصرار من الجانب الأردني وتم لنا ذلك. تداولنا في الأمر أنا والسيد طاهر المصري ورئيس الديوان الملكي آنذاك الراحل الأمير زيد بن شاكر ، وقلت ان ما يجري اليوم هو حدث تاريخي نعيشه ، وعلينا أن نكون في قمة الإستعداد له ، وهنا يجدر القول بأننا لم نكن نعرف مكان انعقاد المؤتمر إلا قبل يومين فقط من إنعقاده ، وحينها علمنا أن العاصمة الإسبانية مدريد هي المكان الذي جرى إختياره لإستضافة أعماله . قبل الذهاب إلى المؤتمر تشرّفت بلقاء الملك حسين لأكثر من ساعتين ، كان في تلك اللحظات يدخّن كثيرا وشرب أكثر من عشر كاسات شاي ، تداولنا في موضوع المؤتمر ، وأعطى توجيهاته .
الغد : كيف تم إختيار أعضاء الوفد المشارك إلى مؤتمر مدريد ؟ أبو جابر : كنّا حريصين على تمثيل مشرّف ووجود شخصيات لديها الخبرة والكفاءة ، واقترحت إسم الدكتور عبد السلام المجالي والدكتور محمد عدنان البخيت ، وطلبت مشاركة ضابطين واحد من القوات المسلحة والآخر من المخابرات العامة ، فرافقنا المشير الراحل عبد الحافظ مرعي الكعابنة من القوات المسلحة وعبد الإله الكردي من المخابرات .
ذهبنا والوفد الفلسطيني بطائرة واحدة ، حيث كان رئيس الوفد الفلسطيني طيب الذكر الدكتور حيدر عبد الشافي إضافة للدكتورة حنان عشراوي وصائب عريقات وغيرهم ، وحظينا باستقبال الملك حسين لنا ثم قام بوداعنا متوجهين إلى العاصمة الإسبانية .
الغد : في مدريد كنت رئيسا للوفد وبمواجهة رئيس وزراء إسرائيل اسحق شامير ، هل قمت بمصافحته ؟ وهل دار حديث بينكما ؟ صف لنا الأجواء في تلك اللحظات . أبو جابر : ما بيننا وبينهم حالة حرب ، وكيف لي ان أصافحه ؟ وجائني إتصال من الملك حسين ، وكان يضحك وقال لي .. أنت عفريت لأنني لم أصافح شامير ، وقلت له ياجلالة الملك عندما يقوم السلام بيننا وبينهم سوف أسلّم عليه وعلى غيره ! المؤتمر عقد في أحد القصور الرائعة في مدريد ، بناء مدهش جدا وغاية في الفخامة وبحضور وفود دولية رفيعة المستوى وعلى رأسهم الرئيس بوش الأب والرئيس الروسي غورباتشوف وزعماء آخرين ، وفي اليوم التالي كنّا على موعد مع عقد المؤتمر الصحفي ، واعتقدنا بوجود المئات من الصحفيين ووسائل الإعلام ، ولم نكن على علم بمكان إنعقاده ,، ففوجئنا بعقده في ملعب ( سنتياغو برنابيو ) وهو الملعب المخصص لفريق العاصمة ريال مدريد وبوجود ما يقارب ستة آلاف صحفي من كافة أرجاء العالم .
الغد : لماذا كان هناك إصرار أمريكي إسرائيلي عل مفاوضات من شقّين ، ثنائية ومتعددة الأطراف ؟ أبو جابر : هذا خبث ودهاء ,، والمقصود المماطلة والتمييع ، نعم كانوا خبثاء في ذلك لأن هناك قضايا هامة مثل القدس واللاجئين والمياه وحق العودة ، وعلينا أن ندرك دائما أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سواء الديمقراطية أو الجمهورية هي دائمة الوقوف إلى جانب إسرائيل سواء كانت على حق أو على باطل وأحلاهما مرّ.
الجزء الثاني عناوين
-نعيش بحفلة تعرية على إمتداد مساحة الوطن العربي والعالم . -العلاقة الأردنية الفلسطينية ( زواج كاثوليكي ) لا طلاق فيه أبدا ! -إتفاقيات أوسلو نزلت على رؤوسنا كالصاعقة ، وأبو عمار كان يريد إقامة الدولة بأي وسيلة . -صفقة القرن بدأ تنفيذها بعد حرب 1967 وترامب يتعامل مع الجميع بأسلوب الزبائن والصفقات . -العجز العربي وانهيار الأمة أجبر عرفات على الموافقة على صيغة ( غزة – أريحا ) أولا .
-المطالبة بحل السلطة الفلسطينية يعني استبدالها بإسرائيل والمزيد من التهويد والسيطرة والإستيلاء على الأرض. -على الدولة إنشاء حزبها الوسطي في ظل عدم وجود حياة حزبية حقيقية . -على الجانب الأردني أن يكون حريصا في مناقشاته مع إسرائيل حول الباقورة والغمر ، والسجال القادم سيكون صعبا معهم.
الغد : إتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير والإسرائيليين ماذا عنها ؟ هل كان الأردن على علم بما يجري في العاصمة النرويجية ؟ أبو جابر: لم نكن على علم أبدا بما يجري هناك ، الموضوع نزل على رؤوسنا كالصاعقة ، علما بأن المشاورات بيننا والأخوة الفلسطينيين لم تنقطع أبدا ، لقد كانت مفاجأة مدويّة بالنسبة للأردن,، فكيف لهم أن يوافقوا على صيغة ( غزة – أريحا ) أولا ؟ وعاتبت الأخوة الفلسطينيين عن سبب عدم إبلاغنا بما
جرى من مفاوضات سريّة ، وسألني المرحوم الأمير زيد بن شاكر ماذا عسانا أن نفعل ؟ وما هو ردّ فعل الأردن ؟ فأجبته بأننا سنقوم بإبلاغ الجانب الفلسطيني هذا العتب ، ولماذا لم تتم إستشارة الأردن ؟ ولكن وصلنا إلى نتيجة مفادها أنهم هم الذين إختاروا ذلك ، ولا بد من دعمهم والوقوف إلى جانبهم ، فنحن في الأردن لا نريد إضعاف
الموقف الفلسطيني من خلال الشجب والإستنكار كما فعلت بعض العواصم العربية البعيدة أصلا عن الهم والوجع الفلسطيني .
الغد : هذا يقودنا إلى سؤال .. بماذا كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يفكّر عندما وافق على صيغة أوسلو ؟ أبو جابر : بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان صيف عام 1982 عانى الفلسطينيون كثيرا بعد ان تشتتوا بين عدد من البلدان العربية ، وأبو عمار باعتقادي كان يريد أي قطعة أرض داخل فلسطين ، ولو مترا مربعا واحدا ، ليقيم عليها الدولة ، وبعدها لكل حادث حديث ، والفلسطيني لديه القدرة على التفاهم مع الآخرين ، حتى لو كانوا الإسرائيليين أنفسهم ، هكذا كان يعتقد ياسر عرفات ، إضافة لاعتقاده بأن إسترجاع الضفة الغربية سيتم بالتدريج ، ولذلك وافق على صيغة أوسلو ، وفوق كل ذلك فإن العجز العربي أجبر عرفات على السير في هذا الطريق ، فالعجز والإنهيار للأمة العربية بدأ منذ نكسة 1967 وهو الذي قاد إلى مدريد ، وعلينا أن نكون منصفين في ذلك ، ولا نظلم لا ياسر عرفات ولا أي مسؤول فلسطيني ‘ ، فعرفات رجل دولة وسياسي ومجاهد ، والفلسطينيون حتى هذه اللحظة وإلى يوم القيامة متمسكون بمبادئهم وصامدون على أرضهم رغم بطش الإحتلال وجرائمه اليومية واستفزازاته وعمليات الإستيلاء اليومية على الأرض وزرع المستوطنات .
الغد : هل يمكن القول أن أوسلو كانت خطيئة ؟
أبو جابر : كان هناك إجماع بين الدول الأربع المشاركة في مدريد ( الأردن ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ) بضرورة السير سويا كأسنان المشط ، حتى لا يتم الإستفراد بنا دولة دولة ، ثم جاءت إتفاقيات أوسلو التي كسرت هذا الإجماع ، لقد كانت في غير محلها ، ولكن ظروف العرب السيئة قادت إلى ذلك ، وعلينا أن لا نحمّل الفلسطينيين أكثر من ذلك ، وكان الله في عونهم في ظل هذا التخاذل العربي والخنوع المستغرب .
الغد : كيف تنظر إلى العلاقة الأردنية الفلسطينية في ظل هذه الظروف الشائكة ، وهذه الأوضاع التي تمرّ بها الأمة العربية والتي لا تسرّ أبدا وتبعث على الأسى والحسرة ؟ أبو جابر : العلاقة الأردنية الفلسطينية ( زواج كاثوليكي ) لا طلاق فيه أبدا ، شئنا أم أبينا ، والتاريخ والجغرافيا والعلاقات الإجتماعية والترابط العائلي تفرض علينا هذا الواقع ، فالأردن وفلسطين قوة تستحق الإعجاب ، والوحدة بين الطرفين حتمية ، ولكن المهم المحافظة على الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين ، لأن وجودهم هناك هو السلاح المتبقي ولا شيء غيره .
الغد : ماذا تقول للأصوات التي تنادي بحلّ السلطة الوطنية الفلسطينية في هذه الأوقات ؟ أبو جابر : وما هو البديل لو جرى حل السلطة ؟ البديل موجود ، إسرائيل والمزيد من البطش والإستيلاء على الأرض والتهويد
ومحاولات التهجير ، من الجنون المطالبة بحل السلطة ، وأنا أعرف غالبية القادة الفلسطينيين ، هم شخصيات محترمة ، ولديهم إجتهادات ، ولا يمكن لهم التفريط بحقوق شعبهم ، إلا أن الظروف اليوم لا تخدمهم . ثم كيف لهؤلاء المطالبة بحل السلطة في وقت نعيش فيه بحفلة تعرية على إمتداد مساحة الوطن العربي والعالم ؟ فلا جيوش مساندة ، والدعم العربي في أدنى مستوياته ، فقط الأردن هو الوحيد الذي يتصدى إلى جانب الفلسطينيين رغم إمكانياتنا وقدراتنا المحدودة . الغد : فلنتحدث عمّا يسمى ( صفقة القرن ) وكيف ترى أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع القضية الفلسطينية ومع العرب عموما ؟ أبو جابر: وهل هذه الصفقة وليدة اللحظة ؟ لقد بدأ تنفيذها منذ العام 1967 بعد الإنهيار العسكري للدول العربية ، وذهاب السادات إلى القدس ، وفي واقع الأمر الصفقة بدأها ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها ، وقطع التمويل عن وكالة الغوث ، وتحديد عدد اللاجئين بخمسة وأربعين ألفا وغير ذلك ، وكل ذلك بالطبع يصب في مصلحة إسرائيل . ترامب رجل تجارة ، ويتعامل مع الجميع بأسلوب الزبائن والصفقات ، هذه هي عقليته ، ولكن كل ما قام به ترامب لا قيمة له ، خاصة في موضوع القدس ، فغالبية دول العالم رفضت القرار ، وفي الجمعية العامة صوتت 128 دولة ضده ، وكل ما اتخذه ترامب لم يغيّر شيئا بالنسبة للفلسطينيين ، ولكن بتنا مؤخرا نلاحظ تراجعا في مواقفه وبات يتحدث عن حل الدولتين ، وبعد سيطرة الديمقراطيين على
مجلس النواب الأمريكي مؤخرا سنرى الكثير من تبدّل المواقف والحد من مغامرات ترامب غير المحسوبة سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو من حيث تعامل الولايات المتحدة مع الدول الأخرى . وبالنسبة للعرب ، ماذا لدينا ؟لا نملك شيئا غير الجانب القانوني والتوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، نحن الطرف الأضعف في المعادلة ، ترامب يحاول إلغاء مصطلح ( لاجيء) هذا لن يكون أبدا ، ولن يوافق عليه أحد ، أوروبا ستقف في وجهه قبل الآخرين ، ولكن للأسف بعض الأنظمة العربية تمارس ضغوطا كبيرة على السلطة الفلسطينية إستجابة لرغبات أمريكية وإسرائيلية ، وبالمحصلة الأردن وفلسطين في خندق واحد لمواجهة كل المؤامرات التي تحاك ضد قضية هذا الشعب ، والفلسطينيون يدركون تماما بأن الأردن بات الدولة الوحيدة التي ما تراجعت قيد أنملة عن دعمها ومساندتها لكل ما يختاره الفلسطينيون ، ودفاعا عن الأرض والمقدسات .
الغد : كيف ترى مستقبل سوريا ، والعلاقة القادمة معها بعد ما جرى خلال السنوات الماضية ، وهل أنت متفائل في هذا الإتجاه ؟ أبو جابر : أنا متأكد من عودة سوريا كدولة واحدة موحدة ، رغم أن الأعداء كانوا يريدون لها ان تتحول إلى دويلات ، وتفتيتها وتقسيمها ، وكل ذلك طبعا يخدم المصالح الإسرائيلية ، وخاصة فيما يتعلق بضم الجولان نهائيا إلى إسرائيل ، حينذاك لن تجد أحدا يطالب بهذه المرتفعات الإستراتيجية ، فالجولان منطقة عسكرية لا مثيل لها ، فهي مشرفة ومسيطرة ، وكذلك هي منطقة زراعية من الدرجة الأولى ،
ومصدر مهم للمياه ، وإسرائيل لا تريد رؤية دولة عربية قوية ، حتى تبقى هي القوة الوحيدة المهيمنة في المنطقة . وبصورة عامة ،أنا متفائل بعودة سوريا إلى سابق عهدها بغض النظر عن النظام ، نحن نريد سوريا قوية وموحدة ، وبعلاقات أخوية وثيقة نظرا لطبيعة ما يربط بين الشعبين الأردني والسوري .
الغد : لنتجه إلى الشأن الأردني الداخلي ، بعد عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 والسماح للأحزاب بالعمل ، كيف ترى واقع الأحزاب السياسية بعد كل هذه السنوات ، وماذا ترى في الأفق ؟ أبو جابر: لا توجد أحزاب فاعلة وحقيقية في الأردن ، بعد ما يقارب الثلاثين عاما على عودة الحياة الديمقراطية ، فالأحزاب لم تستطع إثبات نفسها ، أو لديها القدرة على تشكيل قواعد شعبية لها ، إضافة إلى عجزها عن التواصل مع المواطنين الذين تغيّرت إهتماماتهم كثيرا نتيجة للظروف الإقتصادية التي يعيشها ، فلم يعد يعنيه الشأن السياسي كثيرا بقدر إهتمامه بمعيشته وتعليم أبنائه وضريبة الدخل وطعامه ومسكنه وما إلى ذلك . الأحزاب بصورة عامة فشلت في التصدي لمشاكل المواطنين ، وبصورة عامة من الصعب قيام أحزاب بعيدة عن قضايا الناس ، ليس فقط في الأردن ، وإنما في العالم العربي ، فنحن نختلف عن أوروبا فيما يتعلق بوجود الأحزاب ، هناك إهتمام واضح بكل قضايا ومشاكل المواطنين ، من حريته الشخصية إلى مستوى معيشته عدا عن مراقبة سياسات الحكومات في تلك الدول .
الغد : ولكن الدولة تقدّم دعما ماليا للأحزاب ، وتقوم برعايتها والإهتمام بها ، ودائما هناك دعوات للإنضمام إليها ! أبو جابر : عندما أمنحك مالا فأنت موظف عندي ، وحتى هذا المال ماذا صنع للعمل الحزبي ؟ لا شيء ، بل هناك تراجع واضح في المسيرة الحزبية ، على الحزب أن يكون نابعا من ذات المجتمع وحاجياته ، السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، ومن الصعب أن نقارن أحزابنا بما هو في الغرب ، إضافة لذلك فنحن بحاجة إلى حزب وسطي كبير ، ولماذا لا يكون للدولة مثل هذا الحزب ؟ بحيث يعيش حياة الناس ويتجاوب مع متطلباتهم ، ومن يقول أن هناك إعاقة للعمل الحزبي فهذا قول غير دقيق ، ولكن لابد من صياغة قوانين جديدة ناظمة للعمل السياسي تتيح للأحزاب إيصال مرشيحها للسلطة التشريعية . وعلينا الإعتراف بأن روابط الأسر والعائلات المنتشرة على إمتداد الوطن قد حلّت محل العمل الحزبي ، وفي رأيي هذا تراجع للوراء .
الغد : مؤخرا ، الأردن أبلغ الجانب الإسرائيلي بإلغاء العمل بملحقي الباقورة والغمر ، هل إنتهى الأمر هنا ، أم أننا سنشهد خلال الفترة القادمة تطورات في هذا الموضوع ؟ أبو جابر: هذه هي البداية ، الأردن أبلغ الجانب الإسرائيلي قبل إنتهاء الوقت المحدد ، وبالتالي عودة الباقورة والغمر لحضن الوطن بعد عام من الآن ، ولكن أمامنا رحلة شاقة من المناقشات مع الجانب
الإسرائيلي طيلة عام كامل ، المسألة ليست مفاوضات على إعادتهما للأردن ، لأن إتفاقية السلام واضحة في هذا الإتجاه ،ولكن على الجانب الأردني أن يكون حريصا في مناقشاته مع الإسرائيليين ، والعمل على إختيار خبراء على مستوى عال من الكفاءة في العديد من المجالات لمشاركة الوفد الأردني الذي سيخوض سجالا قد يكون صعبا مع الجانب الإسرائيلي , نحن بحاجة إلى خبراء في المساحة والحدود والمياه والجغرافيا والتاريخ ومعرفة الكيفية التي جرى فيها شراء الأرض ، إذا كان ذلك صحيحا ، نحن سنكون بحاجة أيضا لخبراء في موضوع السيادة والقانون الدولي .
الغد : كيف ترى المفاوض الأردني في مثل هذه القضايا ، وهل أنت متفائل بإنهاء المسألة دون عقبات ؟ أبو جابر: لا خوف على المفاوض الأردني ، هو يحفظ درسه جيدا ، ولدينا خبرة طويلة الأمد في ذلك ، وخاصة مع الإسرائيليين ، وبنهاية المطاف الأمور تسير في الإتجاه الصحيح ، وعندما أعلن جلالة الملك عبدالله الثاني إلغاء العمل بالملحقين كان ذلك متوقعا ،واستجابة لرغبة الشارع الأردني ، ولا ننسى أن الملك هو جزء من هذا الشعب ولا يمكن له إتخاذ قرار يتعارض مع رغبات شعبه .
الغد : كيف قرأت موقف القادة الإسرائيليين بعد القرار الأردني ؟
أبو جابر: القرار الأردني كان مفاجئا للبعض ، وكان هناك حنق وغضب من اليمين المتطرف ، ولكن رئيس الحكومة نتنياهو أقرّ بالسيادة الأردنية على المنطقتين ، حيث ذكر نتنياهو ان من مصلحة الأردن واسرائيل إستمرار معاهدة السلام بينهما ، والأهم من كل ذلك أن جلالة الملك أكّد موضوع السيادة الأردنية على الباقورة والغمر ، وهو ما بعث الإرتياح الكبير لدى الشعب الأردني بأجمعه .
كامل أبو جابر في سطور
مواليد اليادودة جنوب عمان عام 1932 أنهى المرحلة الثانوية في مدرسة المطران بعمان سنة 1951 متزوج منذ العام 1957 ورفيقة دربه مازالت إلى جانبه – أطال الله في عمرهما . والدته من إحدى العائلات الكريمة من مدينة الرملة الفلسطينية المحتلة سافر شقيقه فايز إلى الولايات المتحدة 1949 ، ثم لحقه شقيقه كامل للدراسة ، وهو خريج جامعة ( سراكيوز).
عمل أثناء دراسته كسائق تاكسي وجرسونا في المطاعم وعاملا في مستشفى حتى يتمكّن من تدبير أمور دراسته ومعيشته.
بعد أن أنهى مرحلة البكالوريوس في السياسة ، إنتسب لجامعة ( برنستون) ونال منها شهادة العلوم الشرقية . تولّى عمادة كلية الإقتصاد والتجارة في الجامعة الأردنية عام 1971 وأستاذا للعلوم السياسية . وزيرا للأقتصاد في حكومة السيد زيد الرفاعي الأولى عام 1973 وزيرا للخارجية في حكومة السيد طاهر المصري 1991