القلعة نيوز فاجأنا دولة الدكتور عبد الله النسور بإعلانه من دار رئاسة الوزراء عن إقامة مدينة معان الجديدة من خلال تخصيص ما مساحته سبعين ألف دونم من أراضي وادي العقيق لأغراض تطويرها كمدينة حضارية وجوهرة حسب وصفه. وعلى قدر أهمية موضوع توفير الأراضي المخدومة للمواطنين فأني سأناقش الموضوع من الناحية التخطيطة لعل وعسى ان يجد صنّاع القرار في كلامي نصيحة يمكن الإفادة منها، وسألخص حديثي على شكل النقاط التالية:
1. تقع مدينة معان على مفترق طرق وقد اكتسبت اهميتها من موقعها هذا كمحطة استراحة للحجاج والعاملين بالنقل البري في منطقة صحراوية، مما حصر تكسبها بالنشاط الخدمي كممر وليس كمقر.
2. لقد تبنه المخطط الأردني الى ضرورة تعزيز المنظومة الإقتصادية للمنطقة فجاءت فكرة إنشاء مدينة معان الصناعية والتي خصص لها أرض بمساحة 2500 دونم تقع على بعد ثمانية كيلومترات الى الشرق من مدينة معان وقد وقفت على رقبة أرضها في العام 1998 خالية تماما وكان يخترقها خط كهرباء للضغط العالي 33 وقمنا من خلال الجمعية العلمية الملكية بإعداد المخطط الهيكلي والتفصيلي Master Plan وتصاميم المباني والبنية التحتية ومحطة التنقية لتكون المدينة الصناعية جاهزة للإشغال كمنطقة مخصصة للصناعات الثقيلة. وما يهمنا هنا هو أن الدولة قامت من خلال مؤسسة المدن الصناعية بتوفير القاعدة لتأسيس نواة إقتصادية تعمل على توفير فرص العمل.
3. قامت الدولة بتأسيس جامعة الحسين بن طلال في عام 1999 وكانت الجامعة فرع من جامعة مؤتة بمقر مؤقت في مدينة معان ونقلت إلى الحرم الجامعي الدائم في سبتمبر 2004 ، والذي يبعد 9 كيلومترات إلى الشمال الغربي من مدينة معان. وقد كان هذا القرار خاطئا من الناحية التخطيطية لكون الموقع الدائم يقع الى الغرب من الطريق الصحراوي، فبدلا من ان تنمو المدينة بشكل طبيعي بإتجاه الجامعة كما حدث مع الجامعة الاردنية، بقي الطريق الصحراوي يقطع هذا التواصل.
4. برز في الأردن منذ بداية العام 2000 فكر إقتصادي جديد يدعو الى فكفكة الاطر التقليدية للدولة ممثلة بالوزارات واذرعها التنفيذية في المحافظات وإستبدالها بمؤسسات خاصة بقانون، فكانت الإنطلاقة الرسمية لمنطقة معان التنموية برعاية ملكية في أيلول من العام 2007 عقبت سنوات من التحضير على مرحلتين، الأولى بتكليف شركة أمريكية متخصصة بالتخطيط الإستراتيجي تدعى بوز الن هاملتن Booz Allen Hamilton لإجراء دراسة ما قبل الجدوى الإقتصادية حول النموذج الأفضل للنشاط الاقتصادي في منطقة معان وقد خلصت الدراسة إلى تصميم نموذج تنموي مكون من أربعة محاور هي الروضة الصناعية ومركز تدريب والمجتمع السكني وواحة الحجاج. وإستكمال لأعمال الدراسات التي صُرفت عليها الملايين كلفت الحكومة شركة هالكرو Halcrow المتخصصة في التخطيط والتصميم والإدارة لمراجعة الدراسة السابقة وإعداد المخططات الشمولية الأولية للمحاور الأربعة وقد قدمت شركة هالكرو تقريرها النهائي في منتصف عام 2008 والمتضمن تقييم الموقع وإعتماد تقرير بوز الن هاملتن على الرغم من تباين وجهات النظر فيما بينهم حول الكثافة السكانية المتوقعة ومداها المنظور. وقد عقد إجتماع إعلامي حاشد في معان تم عرض المشروع الطموح أمام جلالة الملك بشكل إستعراضي وخيالي دون إفساح المجال للمختصين الأردنيين للحضور ولا حتى النقاش لمن حضر منهم، لأن الهدف كان الإبهار وقد خُيل للمتتبع بأن هذه المنطقة ستتحول في غضون سنوات إلى سيليكون فالي الأردن. وما أن إنفض الجمع وازيلت شاشات عرض الداتاشو عاد المدراء التنفيذيون ومسؤلي العلاقات العامة إلى عمّان، وتركوا خلفهم آرامات الأحلام الوردية في إنتظار التطبيق العملي على أرض الواقع. ما يهمنا هنا هو أن مخططاّ هيكلياّ قد تم إعداده للمنطقة، وتحت مظلة قانون المناطق التنموية والحرة رقم (2) لسنة 2008 حيث تم إخضاع ما مساحته تسعة كيلومترات تحت مسمى منطقة معان التنموية، فهل لنا أن نستفسر عن علاقة المخطط الهيكلي للمنطقة بالمشروع الذي تم الاعلان عنه من قبل دولة رئيس الوزراء، لا سيما ان مساحة المشروع كبيرة جداّ بالمقارنة بمساحة الاراضي المنظمة في محافظة معان. وهل ذهبت كل المشاريع التخطيطية التي باركها جلالة الملك في العام 2007 في معان مهب الريح بإقرار مدينة جديدة تعد الأكبر مساحة في المملكة الاردنية الهاشمية.
5. لقد عرض دولة الرئيس الآلية التي تم بموجبها إختيار الموقع والتي اعتمدت على تكليف المركز الجغرافي الملكي بالمهمة، حيث تم البحث عن المتوفر من أراضي الخزينة ذات الطبيعة السهلة، ومنذ متى يتم إختيار الموقع السكني او التنموي من قبل جغرافيين نكن لهم كل الاحترام في مجال تخصصهم، ولكنهم غير مؤهلين لهذه المهمة من الناحية التخطيطية، والتي تتطلب خبراء في التخطيط الإقليمي والحضري يبدوا انهم كانوا مغيبين لمعرفتنا الأكيدة برواد هذا التخصص في المملكة وهم قلة. 
6. إن الموقع الذي تم إختيارة يقع في وادي عقيقة والذي يقع الى الجنوب من الطريق الدولي المؤدي الى الجفر والعراق، ويمتد الوادي حتى الطريق الدولي المؤدي الى العقبة. ويترتب على هذا الإختيار تخطيط المنطقة كمركز حضري بكثافة سكانية مستقبلية ستعمل على إختلال التوازن المخطط له من قبل منطقة معان التنموية ذات الأقطاب التنموية الأربعة (مجتمع سكني مقابل الجامعة- الروضة الصناعية الى الشرق من المدينة- واحة الحجاج الى الشمال من المدينة وعلى الطريق الصحراوي- مركز تطوير المهارات داخل المدينة) فهل نفهم بان دولة الرئيس قد استأذن رئيس هيئة المناطق التنموية لنسف المخطط الهيكلي المعتمد، وان كان الجواب بلا، فأدعوها للإستقالة لأنها مكلفة بموجب الدستور لتنفيذ أحكام قانون المناطق التنموية والانظمة الصادرة بموجبه، والتي تتعارض مع فكرة إنشاء مدينة جديدة ولا سيما بأن المجتمع السكني حاضر في المخطط الهيكلي (وقد ترأست فريق متخصص عمل على تصميم المخطط التفصيلي للمشروع امتد عملنا لمدة عام) ولهذا فأني أويد الرأي الداعي إلى أن تخصيص أراضي بجوار جامعة الحسين والمستشفى العسكري المزمع إنشاءه، لا أن تكون المدينة الجديدة في الجهة الشرقية والأكثر بعداّ عن الطريق الدولي والأقرب الى الروضة الصناعية والجفر. 
7. نعلم بأن مناجم فوسفات الشيدية تعتمد سكة الحديد لنقل منتجاتها، والتي تخترق كل من وادي أبو رتيمات ووادي المصول ووادي عقيقة، فهل تم مراعاة خطط تطوير شبكة سكة الحديد الوطنية والأطلس الصناعي بعين الإعتبار، نرجو ذلك.
8. يفيد الخبر المنشور بالصحف حول المشروع بأن المركز الجغرافي الملكي قد قام بتسليم الصور الجوية والمخططات الطوبوغرافية لوزارة البلديات ليصار للبدء بإفراز الأرض متوقعا أن يتم العمل بالمشروع في الأول من آذار المقبل لتكون القسائم جاهزة للتوزيع في أقرب وقت ممكن. ومع كل الإحترام لكوادر وزارة البلديات، فهم أصبح من مهام الوزارة عمل التصاميم الحضرية لمدينة بهذه المساحة والتي تتطلب دراسة معمقة تتعلق بإستعمالات الأراضي وشبكة الطرق والبنية التحتية وإعداد أحكام البناء المعمارية، وهم سيتم ضم المساحة الجديدة لبلدية معان، أم انها ستخضع للمناطق التنموية ومن سيحتفظ بملكية الاراضي التي ستخصص للمدارس والحدائق وخلافه، وهذه قضايا حساسة يتوجب معالجتها في ظل الحديث عن مشروع قانون البلديات الجديد والذي سيدخل اللامركزية الى ملعب الحكم المحلي.
9. إن إختيار موقع المستشفى العسكري ليكون بمحاذاة جامعة الحسين ابن طلال، سيزيد من أهمية الكتلة الحضرية الواقعة الى الغرب من الطريق الصحراوي، وبذلك سينشأ محور مروري عالي الاستخدام لنقل المواطنين من معان الجديدة مرورا بالمدينة الصناعية ومن خلال معان القديمة الى الجسر ومن ثم الى المستشفى. إن مثل هذه العلاقة بين مكان السكن والعمل والجامعة والمستشفى بحاجة الى إعادة نظر حقيقية. 

وفي الختام، اعتقد جازما بأن نية دولة الرئيس طيبة وصافية، وتستند الى رغبة بتطبيق التوجيهات الملكية والتي تتمثل بتوفير قطع اراضي سكنية مخدومة للمواطنين،إلا أن تطبيق الفكرة بحاجة الى مراجعة شاملة لتأخذ بالحسبان حاجة باقي مناطق المملكة لمثل هذا المشروع ضمن إطار إستراتيجية عمرانية وطنية لطالما دعينا اليها كتلك المعتمدة في المملكة العربية السعودية والتي نعمل حالياّ على تحديثها.